ذكّرني أمس كلام والد الرائد بيار بشعلاني، شهيد الواجب والجيش وكل لبنان، بموقف غسان تويني في الكنيسة امام جبران المسجى. لم يفقد والد الشهيد الأمل في قيام دولة وهو يودع الأغلى، وينظر بأسى وبشعور مضاعف بالمسؤولية الى حفيده ابن الشهرين يستقبل الحياة من دون والد.
في عصارة ألمه القى كلمة . شكر رئيس الجمهورية وقائد الجيش وكل رفاق نجله، ولم ينس اهالي بلدته والجوار الذين وقفوا الى جانبه. انها روح الكبار في الايمان وفي الرجاء وفي الوطنية. ومثله فعلت النسوة اثناء استقبال رئيس الجمهورية مساء امس. قلن له إنهن دفعن الغالي في سبيل الوطن وإنهن يعولن على العدالة. عدالة القضاء اللبناني، لا الاقتصاص من المجرمين كما يفعل الغير. لم يتحدث اهالي المريجات البقاعية عن ثأر انما عن عدالة. وقد يتهمهم بعض ممن لا يفهمون الايمان والوطنية بالانهزام والجبن، وهم في الواقع على غير ذلك تماماً.
أذكر أني احتجت الى وقت طويل لأفهم وأتفهّم ردة فعل جدي غسان، إذ نما لدي في تلك اللحظات حبّ الانتقام، والرغبة في التلذذ بإعدام القتلة. لكني عدت الى رشدي بعد حين، وتبنّيت موقف جدي باقتناع كلي، فتعلمت منه انه هكذا تكون ردة فعل الكبار والحكماء والعقلاء، وخصوصا أصحاب الايمان القويم.
أمس، وأنا أشاهد المأتم، عادت بي الذكريات، وشعرت مجددا كم ان في لبنان أناساً يكّبرون القلب والعقل. تعوّدنا في السنين والأشهر الأخيرة ردّات فعل غريزية متنقلة بين المناطق. هذا يقتل وذاك يقطع عليه الطريق ويتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور، حتى بلغت يد التطاول الجيش وعناصر قوى الأمن الاخرى في أكثر من منطقة، ولعل الأطرف ما يجري في سجن رومية، إذ يُعتقل أمنيون من الحراس في المكان المفترض أنه محروس.
والأسوأ من الارتكابات، التغطية السياسية – وأحياناً الطائفية من رجال دين – التي تبرّر القتل والجرائم الاخرى، وتصنّفها إما دفاعاً عن النفس، وإما خطأ غير مقصود. وفي كلتا الحالين جريمة. في الأولى فعل لا يغتفر، وفي الثانية مشاركة في القتل وتغطية له، والقانون عادة يحاسب المحرّض كما يعاقب المرتكب.
قد يُقتل ضابط ورتيب وعسكر كثير في المعارك، ولكن أن يسقط هؤلاء في مكمن داخل وطنهم، وبين أناس يفترض أنهم أهلهم، فهذا معيب، بل خطير. وتدارك الأمر لا يتم إلا من داخل عرسال نفسها، ومن أهلها، برفض هذا الواقع والتبرؤ منه، وتسليم الجناة الى العدالة، فلا يؤخذ جميع أهالي البلدة بجريرة حفنة صغيرة.