في كل مرة يزور فيها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مدينة طرابلس، على ندرتها، يبقي زيارته بعيدة عن الاضواء، وكأنه يخشى من احاطة أبناء طرابلس بوجوده فيها، ويفضل عملية تسريب معلومات عن زيارته "السرية" و ما ينوي القيام به لخدمة المدينة.
على الرغم من مرور عامين على تسلمه سدة الرئاسة الثالثة، ما زال على عهده في ضخ الوعود البراقة، فهو لم يحقق انجازا واحدا لتنمية المدينة التي تراجعت بشكل مريع في خلال السنتين الماضيتين حتى استحقت "لقب" أفقر مدينة على البحر المتوسط، وهي ما برحت تعيش في ظل حصار على كافة المستويات الامنية والاقتصادية والمعيشية ليقضي على ما تبقى من مقومات العيش فيها !
منذ اليوم الاول لتسلمه سدة الرئاسة "وعد" برفع الغبن، وازالة الحرمان، ووعد باطلاق قطار التنمية، وبالتعويض عن كل السنوات الماضية، والنهوض بالمدينة من واقعها المتردي، وأكثر ما وعد بتحقيق الامن الذي ما زال أبناء المدينة ينتظرون وصوله على أحر من الجمر الذي يحترقون به في ظل فوضى السلاح غير الشرعي، وانتشاره بين العديد من المجموعات المحسوب بعضها على رئيس الحكومة نفسه. وفي ظل المحاولات اليومية لتوتير الاجواء من "الاشباح" الذين يسرحون ويمرحون تارة باطلاق الرصاص، وتارة بإلقاء القنابل المتنقلة ليلا، وطورا بالعثور عن مواد قابلة للتفجير، وتارة أخرى بالتهديد بإشعال خطوط ومحاور باب التبانة التي يعيش أهلها في قلق ورعب دائمين.
منذ سنتين وطرابلس فقدت نعمة الامن والاستقرار، واذا أردنا الحديث عن جولات العنف المتكررة والخسائر الباهظة التي تسببت بها فحدّث ولا حرج، منذ سنتين والمدينة تتجه نحو الانهيار الكامل في كل مؤسساتها ومواقعها، على الرغم من وجود رئيس حكومة ومعه أربعة وزراء "مدججين" بحقائب سيادية لاول مرة في تاريخ الفيحاء، ولكن مع الاسف أن أحدا منهم لم يبادر الى بلسمة جراح أبناء المدينة، بل تراهم مشاركين في ممارسة أكبر قدر من الضغوط على "المعارضة" والتي يعتبر أبناء مدينة طرابلس أحد أهم حراس قلعتها.
بالامس جرى التداول في زيارة قام بها رئيس الحكومة لطرابلس وعقده اجتماعاً موسعاً في منزله مع الوزراء الأربعة، حيث أشارت مصادر المشاركين الى أن الاجتماع كان مثمرا كالعادة، خصوصا أن الجميع باتوا على قناعة بأنه لم يعد بالامكان السكوت على ما تشهده طرابلس من فلتان أمني وتراجع اقتصادي، وأنه آن الأوان للحكومة أن تتحرك تجاه المدينة وأن تترجم حصتها الوزارية الوازنة بسلسلة مشاريع إنمائية تحتاجها. وأن الوزراء أجمعوا على ضرورة تنفيذ الخطة الانمائية الموعودة لطرابلس من خلال صرف مبلغ المئة مليون دولار الذي أقرته الحكومة للمدينة، وذلك على قاعدة "أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي". ولكن الفضيحة الكبرى هي أن يدرك أصحاب الشأن أنه لم يعد جائزا السكوت عن أوضاع طرابلس، بعد عامين من وجودهم في المسؤولية، وممثلين مفترضين عن هذه المدينة التي كانت في يوم من الايام عاصمة ثانية، فاذا بها تصبح اليوم وبسبب ممارساتهم عاصمة للتردي والفقر والتهميش ؟ وعاصمة للحرمان والفوضى ؟ تصوروا وزراء يطالبون أنفسهم بالتحرك، لترجمة حصة المدينة الوازنة ؟ وتصوروا وزراء يطالبون أنفسهم بتنفيذ خطة انمائية عاجلة للمدينة ؟ فاذا كان حال الوزراء هذه ! فكيف بحال المواطن العادي ؟ ماذا يقول ومن يطالب ؟ والى من يرفع شكواه ؟ الوزراء يسبقون الناس في البكاء حتى لا يطالبونهم بشيء ؟ وزراء طرابلس اجتمعوا بالامس وخاطبهم كبيرهم "أننا في مأزق، اذا لم نبادر الى فعل شيء"، وسيجتمعون غدا ويطلقون مزيدا من الوعود البراقة، لإيهام الناس بأنهم فاعلون وقادرون، ومتمسكون بإحداث التغيير، وزراء الغفلة بدأوا يوهمون الناس مجددا قبيل موسم الانتخابات بأنهم الضمانة، وسيحققون لهم المن والسلوى.
بعد عامين عاد وزراء الحكومة الفاشلة والعاجزة عن القيام بأي انجاز ولو على المستوى المحلي، ليطلقوا الوعود العرقوبية، وان من أمضى سنتين في التسويف والمماطلة والتأجيل والتعطيل وتعميم ثقافة الفوضى والاستهتار ليسوا هم الوزراء أنفسهم في حكومة "قولنا ولا عمل" حيث يسود النهش والسمسرة واستغلال السلطة لمآرب ومنافع شخصية، وقد شهد البلد أكثر من فضيحة مدوية في هذا المجال. وزراء الغفلة اجتمعوا ويمنون مدينة طرابلس بالوعود مجددا فيما لم تر الفيحاء قرشا واحدا طوال عامين.