حادثة عرسال أضافت جرحاً جديداً إلى جروح الجسم اللبناني، الذي يزداد نزفه يوماً بعد يوم، على إيقاع حالة متصاعدة من الغليان والتوتر في الداخل، وتطورات الأزمة السورية المتفاقمة في الخارج.
الإجماع اللبناني على استنكار ما تعرّضت له الوحدة العسكرية في عرسال، يُؤكّد التفاف اللبنانيين حول المؤسسة العسكرية، ودورها الوطني في الحفاظ على الأمن والاستقرار، والدفاع عن سياج الوطن.
غير أن هذا الإجماع اللبناني النادر، وغير المسبوق، حول الجيش ودوره المشهود، في الداخل وعلى الحدود، يُحمّل القيادة العسكرية مسؤولية مضاعفة تبدأ بضرورة الحفاظ على هذا الإجماع، والابتعاد عن كل ما يُعرّض هذا الإنجاز الوطني الكبير للاهتزاز، وفي الوقت نفسه القيام بالمهمات الجسيمة الملقاة على عاتق الجيش، في إطار خطط تجمع بين وحدة المعايير من جهة، وإرادة الحزم من جهة ثانية.
حادثة عرسال ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها سلسلة حوادث مشابهة، مثل حادثة مار مخايل، وإطلاق النار على الطيار الشهيد سامر حنا وإسقاط طائرته، وجريمة نهر البارد ومضاعفاتها المعروفة،وحادثة الغبيري التي اسفرت عن استشهاد الرائد عباس جمعة بعد عملية مداهمة لمكان وجود احد المطلوبين للعدالة وكذلك ما حدث في عرسال قبل فترة، وتمت معالجته بالتي هي أحسن.
وهذه الحادثة قد لا تكون الأخيرة أيضاً، الأمر الذي يستوجب على القيادتين السياسية والعسكرية، البحث جدياً في الخطوات والإجراءات الكفيلة بحماية المؤسسة العسكرية وتعزيز مهماتها الوطنية والعمل في الوقت نفسه على تأمين معالجات أمنية وقضائية رادعة، وتأخذ بالمقاييس العسكرية الاحترافية، المعتمدة في الجيوش المتطورة، للتصدي لأي خلل أو شطط ، في تنفيذ المهمات الموكولة للمؤسسة العسكرية.
* * *
ما جرى في عرسال ليس حادثة عادية، ولا يمكن التعامل معها كحدث عابر. إنها جريمة تُهدّد السلم الأهلي، وتنال من هيبة الدولة والسلطة الشرعية، وتمس معنويات المؤسسة العسكرية، وتشكّك بقدرة الجيش ودوره في فرض سلطة القانون على كل الأراضي اللبنانية.
ومن الأهمية بمكان التعامل مع هذه الجريمة وتداعياتها، على قدر كبير من الوعي والحذر، وصولاً إلى جلاء ملابسات الحادثة، وكشف كل جوانب هذه الجريمة النكراء.
لذلك على القيادة السياسية الإسراع في اتخاذ سلسلة من الإجراءات والخطوات القادرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح، وطمأنة اللبنانيين إلى ما تبقى من الأمن وهيبة القانون، وتأكيد وقوف الدولة إلى جانب المؤسسات الشرعية، لا سيما الأجهزة الأمنية.
لعل الخطوة الأولى تبدأ بدعوة المجلس الأعلى للدفاع للانعقاد في جلسة طارئة، لتدارس التدابير الواجب اتخاذها، وتكليف لجنة للتحقيق في ظروف الحادثة، وكشف كافة ملابساتها، حتى يُبنى على الشيء مقتضاه.
ومن النقاط المُلتبسة والتي تطرح أكثر من علامة استفهام:
1 – من أعطى الأمر بتنفيذ هذه المهمة الدقيقة والخطيرة أثناء غياب قائد الجيش في الخارج؟
2 – هل كانت ثمة مبررات ملحة لاستعجال تنفيذ هذه المهمة في هذه الفترة بالذات؟
3 – مَن وضع خطة التنفيذ، وهل أُخذت بالاعتبار الأجواء السائدة في عرسال على خلفية الحادث الذي وقع مع دورية عسكرية قبل فترة في البلدة؟
4 – ما هي ملابسات الاشتباك والأسلحة المستخدمة فيه، وكيف سقط شهداء الجيش، وكم عدد الإصابات في الجانب الآخر؟
* * *
بقيت كلمة…
إن الاشتباك الدامي حصل بين وحدة عسكرية ومجموعة مسلحين في عرسال. ويجب أن تبقى هذه الجريمة في هذا الإطار الضيّق، وعدم الانجرار وراء محاولات التوظيف السياسي، التي يسعى أصحابها لتصوير الاشتباك وكأنه بين الجيش وبلدة عرسال بكامل تعداد سكانها!!
إن محاولات زج المؤسسة العسكرية في مواجهة مع أهالي عرسال، هي أشبه بعمليات صبّ زيت الفتنة على حالة التوتر السائدة في البلد، والتي قد تتّخذ أشكالاً أخرى من المضاعفات، في حال تعرّض عرسال لعملية عقاب جماعية، لا تُفرّق بين البريء والجاني، ولا تُراعي العلاقات المتينة والحميمة التي تربط الجيش بعائلات البلدة، التي يوجد حوالى ثلاثة آلاف من أبنائها في عداد المؤسسة العسكرية.
لا نبالغ إذا قلنا بأننا نحتاج إلى كثير من الحكمة والحزم حتى لا تتحوّل حادثة عرسال إلى فتنة ينتشر وباؤها في الجسد اللبناني، مثل النار في الهشيم!