#adsense

الإصرار على التخلّف

حجم الخط

لماذا يجب أن يتحوّل كل ما هو منطقي موضع سجال في لبنان؟ ولماذا يصعب إلى هذه الدرجة إقرار قوانين عصرية تستند إلى الفطرة السليمة؟ لن أناقش الواقع المعيب لكون المرأة اللبنانية لا تملك حتى الآن حقّ اعطاء الجنسية لأولادها أو زوجها، مع العلم بأنه من أبرز مؤشّرات التخلّف التي يمكن أن نجدها في أي دولة. اليوم سأركب الموجة وأتحدّث عن "موضوع الساعة"، ألا وهو قانون الزواج المدني المقترح والسجال الذي أثاره.

هل يُفترَض في الأشخاص أن يتزوّجوا في قاعة محكمة إذا اختاروا ذلك؟ بالتأكيد نعم. في هذا العصر، يُفترَض أن تكون مسألة مفروغاً منها، لكنها ليست كذلك في لبنان، أرض الأحاجي والمتاهات والمؤامرات.

لنكن واضحين: الزواج المدني شرعي في لبنان، لكن إجراء مراسم الزواج المدني هو ما لا يُجيزه القانون اللبناني. الآن يطالب مؤيّدوه مجلس النواب بإقرار قانون جديد لتشريعه من أجل العدد الكبير من الأشخاص المهتمّين بعقد قرانهم مدنياً. يتكبّد الرجال والنساء منذ سنوات طويلة عناء التوجّه إلى بلد أجنبي لعقد زواجهم مدنياً. ثم يعودون إلى لبنان ويعيشون حياة زوجية طبيعية مثل سائر الأزواج. ويحصل هذا كلّه أمام أعين المسؤولين ورجال الدين وسواهم من رافضي الزواج المدني.

بعض رجال الدين لا يحبّذ إقرار الزواج المدني لأنه يسحب منه جزءاً من دوره وسلطته. ولكن يجدر بهؤلاء عوض نبذ كل من يدعم علناً قانون الزواج المدني وتكفيره، أن يهتمّوا بأمور أسوأ تحصل من حولنا.

يختنق لبنان بالتناقضات وتعيث فيه الفوضى خراباً. لكن الحياة تستمرّ وكأنها عاصفة منسَّقة تنسيقاً كاملاً حتى آخر تفصيل فيها. يفاجئني أن اللبنانيين يفكّرون في الزواج في خضم الوضع الاقتصادي المتردّي، وفي وجود نظام سياسي فاسد وغير مستقر، وإزاء ظروف المعيشة السيئة، وغياب فرص العمل الفعلية، وتفشّي البغاء الرخيص، والموقف المتعنّت الذي يتّخذه معظم الأطراف من المسائل الأكثر أهمّية بالنسبة إلى المتحابّين الشباب.
ماذا حلّ بدعم مفهوم الزواج من أجل الحب؟ حريٌّ برجال الدين أن يقلقوا أكثر من اهتمام الشباب بسجالات سياسية عقيمة وحراك فارغ فيما يبتعدون عن العلاقات العميقة والحب والصداقة الحقيقيين.

ليس من قبيل المصادفة أنه يُسمّى عقد زواج. إنه عقد بين شخصَين، وعليهما أن يدخلاه بكامل إرادتهما، مع التمتّع بكامل قواهما العقلية، ويجب أن يوافقا على كل شروطه وبنوده. ليست المسألة من يأخذ من في الزواج، أو من هو صاحب السلطة، أو من في يده الطلاق. بل إنه اتفاق بين شخصَين على أن يكونا معاً، ويكونا متساويين في الحقوق والواجبات. وعلى غرار أي عقد آخر، ينص أيضاً على آلية إنهاء الزواج اذا قرّر أحد الفريقين أو كلاهما معاً وضع حد للعلاقة الزوجية. لا علاقة لعقد الزواج في ذاته بالدين، ولا بالجنسية. بل إنه يتعلّق حصراً باتحاد شخصَين تحت سقف واحد حيث يتشاطران ما تقدّم لهما الحياة، والمسؤوليات التي يتحمّلانها لإنجاح حياتهما معاً. وهو لا يختلف كثيراً عن العقد الذي نوقّعه مع صاحب العمل أو الاتفاق الذي نبرمه مع متعهّد يبني لنا منزلاً. إذا لم تكن الحال هكذا، فلماذا نقصد إذاً المحكمة لطلب الطلاق عندما لا يسير الزواج على ما يرام؟ ففي هذا الإطار، لا فارق بين من يتزوّجون لدى سلطة دينية أو لدى القاضي، بين من يتزوّجون في الكنيسة أو المسجد أو قاعة المحكمة؛ فجميعهم ينتهي بهم الأمر في المحكمة إذا فشل زواجهم.

حان الوقت ليبدأ لبنان بالتركيز على المشكلات الحقيقية التي يعانيها مجتمعنا بدل هدر الموارد والطاقة وموجات الأثير على الخلط بين الجانب القانوني والجانب الشعائري. فبما أن الأزواج يُنهون زواجهم في المحكمة عندما يقرّرون الطلاق، فليعقدوه إذاً في المحكمة إذا اختاروا ذلك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل