"أُلقي القبض على القتيل وفرّ القاتل" عبارة شائعة.. فهل على اللبنانيين أن يُبدوا إعجابهم بالقضاء؟ فحين شاءت العناية الالهية أن تفشل عملية محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، كان القضاء يقف بالمرصاد للقدر، وكأن الهدف هو "القضاء" على القضاء وتحويل الضحية الى جلاد.
ثقة اللبنانيين تجددت بالقضاء حين ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر على محمود الحايك في جرم محاولة قتل النائب بطرس حرب، لكن وقع المفاجأة بتوجيه المدعي العام التمييزي القاضي حاتم ماضي كتابا الى وزير العدل شكيب قرطباوي طالبا فيه الى المجلس النيابي رفع الحصانة عن حرب، عطّلت، معنويا، مفاعيل الثقة.
"وقد ساعد تدخل رئيس الجمهورية في حسم الموضوع.."، أشكر فخامة الرئيس على تدخله.."، "إن بعض الهيئات القضائية كانت متواطئة مع حزب الله وتسعى بكل جهد الى إرضائه على حساب العدالة".. هذه العبارات في لبنان، وعلى أبواب انتخابات نيابية مصيرية، قد تكون سببا لطلب رفع الحصانة عن نائب في البرلمان سبق وتعرض لمحاولة اغتيال، وبصفته محامياً قرر أن يأخذ على عاتقه التنقيب عن أسباب تأخر القضاء في إصدار مذكرة توقيف بحق المجرم.
وحتى الآن يتحفظ حرب عن الأسباب متمنيا منذ أيام في تصريحه "أن لا يأتي اليوم الذي سأضطر فيه الى فضح تلك الأسباب". وهذه المعلومات التي يبدو أنها قيّمة وبإمكانها أن تفضح بعض الجهات المعروفة بسطوة سلاحها على كل مؤسسات الدولة، ومن بينها القضاء، لم يأخذها القضاء على محمل الجدّ مستندا الى المادة 30 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أن حصانة النائب ليست مطلقة، إنما تنحصر بالآراء والأفكار التي تصدر عنه وتكون متصلة بعمله النيابي ومتعلقة بالمواضيع والمصالح الوطنية العامة (..) أسئلة كثيرة تطرح هنا: أليس من الممكن أن تكون المعلومات التي يملكها النائب حرب تصبّ في المصلحة الوطنية العامة؟ ألا يحقّ لنائب يمثل الامة جمعاء، بحسب المادة 27 من الدستور، أن يضيء على بعض الإرتكابات في مؤسسات الدولة؟
عملياً، سيكون من الصعب جدا "التخلص" من حرب انتخابيا قبيل موعد الإنتخابات النيابية، خصوصا أنه يملك الكثير من المعلومات التي يمكن أن تغيّر مجرى الأمور.. أما كل هذه المعطيات فمن الضروري أن يستثمرها المجلس النيابي حين يدعو هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل الى جلسة مشتركة لدرس طلب رفع الحصانة، في حال أرادت هذه المؤسسة التي تمثل الشعب اللبناني تطبيق القانون، كما تصرّ السلطة القضائية، والتفتيش عن الأسباب التي حملت حرب على التصريح بهذه المواقف.. والإمتثال للقانون يكون في الإهتمام بالمعلومات التي يملكها حرب، والتي يصرّ اللبنانيون على معرفتها. فهل يصحّ المثل اللبناني القائل "جحا مش شاطر إلا عَ خالتو"؟
"إنها قصة غريبة جدا، فعلا ما نشهده مهزلة"، يقول عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت، ويتابع "فليسمحوا لنا، هذا ليس قضاء وردود الفعل الإنفعالية تلك لا أعرف إن كانت مرتبطة بأغراض قضائية أو بمصالح شخصية أيضا".
ويرى فتفت أن "ما جرى يطرح تساؤلات عدة والمطلوب إلقاء القبض على محمود الحايك، فحبذا لو يشرح لنا القاضي ماضي لِمَ تأخر القضاء في إصدار مذكرة توقيف بحقه؟". ويضيف "أما أن يحاول القاضي ماضي رفع الحصانة، فليسمح لنا، هذا صعب جدا ولن نقبل برفع الحصانة فهي شيء مقدّس وسندافع عنها في كل الظروف".
هل برأيك أتى اليوم الذي سيفضح فيه النائب حرب أسباب التواطؤ التي تحفّظ عنها؟ يردّ فتفت "هذا عائد الى النائب حرب الذي يتابع تفاصيل قضيّته كمحام ونائب، ولكنني أعرف جيدا مصداقية النائب حرب وبالتالي فلديه الكثير لقوله في هذا الإطار".
من جهته، يقول رئيس اللقاء "المستقل" وعضو الأمانة العامة في قوى 14 آذار المحلل السياسي نوفل ضو أنه "من الناحية القانونية وبحسب المسار الدستوري، فالهيئة العامة في مجلس النواب هي من سيتحمل المسؤولية في هذا الموضوع إذا قرر الرئيس نبيه بري تحويل الطلب إليها، علما أن النواب يمثلون الأمة". ويتابع "إذا أصدر القضاء حكمه باسم الشعب اللبناني فإن النواب أيضا يمثلون الشعب اللبناني".
ويرى ضوّ أن "تحويل الضحية الى متّهم هو فضيحة الفضائح، وهذا الكلام ليس موجها الى القضاء إنما الى الحياة السياسية بشكل عام". ويشرح "في لبنان يتعرض نائب وزعيم سياسي لمحاولة اغتيال فينتهي التحقيق بطلب رفع الحصانة عن هذا النائب بدل أن ترفع الحصانة عن الحزب المسؤول عن إخفاء هذا الشخص المتهم".