حسناً فعل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان نهار الاحد الفائت بالذهاب شخصياً للتعزية بالرائد الشهيد بيار بشعلاني وإجرائه كل ما يلزم من اتصالات لتهدئة النفوس والمعالجة، وحسناً فعل رئيس الحكومة بزيارة وزارة الدفاع في اليرزة للتعزية بشهداء الجيش الذين سقطوا في حادثة عرسال.
وحسناً فعل قائد الجيش العماد قهوجي بقطع زيارته الرسمية الى فرنسا والعودة سريعاً الى لبنان للوقوف على حقيقة ما جرى، ومحاولته معالجة الأزمة قبل استفحالها في بلد الأزمات المتتالية والمتكررة على الدوام.
والمهمّ في الموضوع ايضاً أن يُسارع مجلس الوزراء او مجلس الدفاع الاعلى للاجتماع بُغية الوقوف على تفاصيل ما حصل اولاً، ومناقشة كل السُبل الكفيلة التي تؤدي الى دعم المؤسسة العسكرية ثانياً، ومنع تكرار ما حصل ثالثاً مع مختلف المؤسسات العسكرية والامنية، بدءاً بالمؤسسة الام التي هي الجيش اللبناني، مروراً بالأجهزة الأمنية كافة.
غير انّ اللافِت في حادثة عرسال المشؤومة، والمفترض انها مُستنكرة من جميع اللبنانيين، هو ذلك الاستغلال الإعلامي الذي ظهر على بعض الشاشات إثر الحادثة، والذي حَوّل بلدة عرسال وأهاليها على شاكلة "قندهار" في المضمون السياسي للصورة، بتصوير البلدة مَرتعاً للمتشددين السنّة او لمجموعة من التكفيريين الذين يتربصون شراً بالبلاد والعباد، والقول إن الهدف ممّا حصل هو ضرب هَيبة الدولة عبر ضرب هيبة الجيش اللبناني أوّلاً، علماً انّ المؤسسة العسكرية تضمّ في حناياها اكثر من 3000 جندي وضابط من عرسال فقط، التي يربو عدد سكانها على 40.000 مواطن تقريباً. فمَن ينفخ في بوق الفتنة ويُسعّر نارها… ولماذا؟
في القراءة السياسية للامور، يبرز الاتي من النقاط:
1 – انّ هناك جهة عسكرية ما خَطّطت لحصول المداهمة الامنية التي حصلت في البلدة… وبالطريقة التي قيل إنها حصلت بها. (البعض تحدث عن انّ القوة الامنية الاولية كانت بلباس مدني، والبعض الآخر أكّد انها كانت بلباسها العسكري). والبعض تحدث عن انّ هذه القوة ضَلّت الطريق نحو جرود عرسال، بعد ان قامت بتنفيذ مهمتها التي ذهب ضحيتها المدعو خالد الحميّد، المطلوب بعدّة مذكرات توقيف، فكَمنت لها العناصر المسلحة المناصرة للحميّد، وكان ما كان. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: اذا كانت القوة المذكورة التي نفذت المداهمة من مخابرات الجيش فهل من المعقول، وفق ادعاءات فعاليات البلدة، أنها أجرَت اتصالاتها بالعديد من مسؤولي الجيش في منطقة البقاع الذين نَفوا عِلمهم بمثل هذه المهمة!!؟ واذا كان هذا الامر صحيحاً فعلى مَن تقع المسؤولية هنا!!؟
2 – هل صحيح ما رَدّده بعض نوّاب قوى 14 آذار وفعالياتها عن تورّط لعناصر مخابرات سورية وعناصر لـ"حزب الله" في الموضوع؟ واذا صَحّ هذا الامر فهل ستقتصر ارتداداته فقط على ساحة عرسال ام انها ستتطور لتشمل مختلف الاراضي اللبنانية ؟! أو انّ هذه الاتهامات، اذا ما بقيت من دون إثباتات، تبقى فقط في إطارها السياسي؟
3 – هل هي مَحض صدفة ان يجري ما جرى في عرسال في وقت كان فيه قائد الجيش غائباً عن البلاد في مهمة رسمية في فرنسا للتفاوض مع السلطات الفرنسية بشأن تزويد الجيش اللبناني بأسلحة نوعية مؤازرة ؟ وبالتالي، هل كان العماد قهوجي على علم بالمداهمة التي حصلت!!؟
في أيّ حال هناك اسئلة كثيرة تدور في أذهان اللبنانيين، والارجح انه لن يجيب عنها الّا تأليف لجنة تحقيق عسكرية بإشراف قائد الجيش للوصول الى حقيقة ما حصل على ارض الواقع، علماً انّ اللبنانيين، في جُلّهم، هم مع الجيش أولاً ومع المؤسسة العسكرية اولاً واخيراً، والتي تبقى وحدها الحصن الحصين للوطن والسياج الأساسي له لحمايته من الفتن الطائفية والمذهبية. غير انّ السؤال المركزي الذي يَقضّ مضاجع اللبنانيين هنا هو: "من ينفخ في بوق الفتنة بين الجيش واهالي عرسال"؟ وقَبلَهُ بين الجيش وباب التبانة في طرابلس؟ وقَبله في بريتال؟ ثم في الضنية؟ وقبله في صيدا؟ وقبله في الضاحية؟ ولمصلحة مَن؟!!.