بلغاريا ليست دولة عدوّة للبنان، بل يربطها به سجل من الصداقة، وتاريخ من العلاقات الديبلوماسية والأكاديمية، ولا يمكن اتهام بلغاريا بأنها دولة امبريالية، وإذا شئنا الاسترسال أكثر، لوجب التذكير بأنه، قبل قرن وثلاثة عقود، كان بلدنا، كما بلغاريا، جزءاً من الدولة العلية نفسها، الدولة العثمانية. فإذا أضفنا إلى كل هذا، إن بلغاريا تحوّلت، بعد انهيار الشيوعية، إلى دولة قانون وديموقراطية وقبلت في عضوية الاتحاد الأوروبي، يصبح الاتهام الذي توجهه حكومة هذا البلد للحزب الحاكم في لبنان بالوقوف وراء تفجير بورغاس تفصيلاً ليس بتفصيل، ذلك أن الموضوع يكشف التعارض الفظيع بين مفهوم السيادة وبين مقولة النأي. أكثر من ذلك، هل يسع لبنان أن يجيب الحكومة البلغارية بشيء من قبيل: "عذراً، لبنان ما زال في وضع مناقشة وبلورة استراتيجية دفاعية، ومن الآن حتى صياغة هذه الاستراتيجية وإقرارها، لا يعتبر لبنان الرسمي نفسه مسؤولاً عن التعليق سلباً أو إيجاباً على أي عمل أمني يتهم أياً من عناصر الحزب الحاكم في لبنان بالقيام به، على أي أرض، وفي أي وقت".
طبعاً، ينتظر يعاسيب الممانعة والمقاومة و"المرافضة"، أيّ مقاربة لهذا الموضوع تختلف عن نأي الرئيس نجيب ميقاتي ومكابرة إعلام "حزب الله" للانقضاض بالشعارات التخوينية المعلوكة. لكن هذا كلّه كذرّ الرماد في العيون. الموضوع يتّصل بأساس السيادة الوطنية. فقد يكون موضوع الاستراتيجية الدفاعية ومشكلة سلاح "حزب الله" يحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر والظروف لتأمين الخوض فيه بجديّة، وعلى طريق تذليل الاستعصاء، غير أنّه من غير الممكن أبداً أن يكون جواب لبنان الرسمي للخارج من نمط "النأي" المعتاد في هذا المجال. طبعاً، ثمة بعد تحقيقي، قضائي، في هذا الشأن، ينبغي أن يأخذ مجراه، ومهما كانت بلغاريا دولة مؤسساتية وديموقراطية إلا أنّه ينبغي على لبنان أن يلاحق الموضوع بعين واعية ونبيهة. لكن، في المقابل، لا يمكن أبداً التنصّل من جديّة الأمر، وخطورته، لأنه منذ تفجيرات بيونس أيرس قبل واحد وعشرين عاماً، هذه أوّل مرة يزج فيه باسم الجناح الخارجي أو "الدولي" لـ"حزب الله" اللبناني في عملية تفجيرية تحصل خارج لبنان وبعد سنوات من اغتيال عماد مغنية، وخارج النطاق الإقليمي للصراع العربي – الإسرائيلي، والأهمّ في بلد تربطه بلبنان علاقات ديبلوماسية، وصداقة طويلة، بالاضافة إلى "المشترك الحضاري العثماني" كما ذكرنا.
أما من جهة 14 آذار، فمما لا شك فيه أن الحركة الاستقلالية تفضّل التركيز على "تورّط" حزب الله الميداني في سوريا، أو التورّط الفئوي ضد أهل عرسال، بدلاً من الدخول في موضوع "شائك" كتفجير بلغاريا. مع ذلك، فإن هذا الموضوع "الشائك"، والاتهام الذي توجهه بلغاريا، إنما يطرح أكثر من سواه السؤال عن واقع الحال بالنسبة إلى السيادة الوطنية في لبنان، وحقيقة انعدام أهلية الحكومة الحالية، والبعد "الكاريكاتوري" لسياسة النأي. فإذا كان النأي يبرّر لنفسه في الوضع السوريّ برفض سياسة المحاور، فإنه يبرر لنفسه في التداعيات البلغارية من موقع أن تقرير قرار الحرب أو السلم ما زال قيد التداول وينتظر البت سنة بعد أخرى، بلا طائل.