#adsense

عرسال.. العدالة والحقيقة

حجم الخط

والآن، لم يعد هناك من أولوية تطغى على محاسبة من اعتدى على ضباط وعناصر الجيش اللبناني، المحاسبة التي تبدأ بتسليم الجناة لتأمين سير العدالة، هذه العدالة نفسها التي طالبنا بها كلبنانيين في كلّ جرائم الإغتيال التي طالت قافلة من الشهداء من رفيق الحريري وباسل فليحان مروراً بجبران تويني وبيار الجميل وصولاً إلى وسام الحسن، كذلك وجب علينا مصارحة أنفسنا لنقول إن العدالة مبدأ لا يُمكن أن يتجزأ.

يجب أن نعرف تفاصيل ما حصل في عرسال، وفي الوقت نفسه وبالإصرار ذاته لا بل أكثر، يجب أن يُحاسب من قتل الضابط والجندي الشهيدين، إنسجاماً مع كلّ مطالبة سابقة بمحاكمة من قتل ضباطنا وجنودنا في "نهر البارد"، ومعرفة من اغتال اللواء فرنسوا الحاج وإعادة محاكمة عادلة غير صورية لمن اغتال الشهيد الطيار سامر حنا وتوقيف كلّ من أطلق رصاصة على الجيش في النبي شيت أو في الهرمل ورياق، لا بل علينا أن نسأل النظام السوري أين خبأتم قتَلة الشهداء الأربعة للجيش، الذين سقطوا في البقاع؟.

فكما أدى تلازم مبدأي المطالبة بالعدالة والحقيقة إلى تحرير لبنان من احتلال الجيش السوري، فإن العدالة والحقيقة تنادياننا من عرسال، إنها وقفة ضرورية مع الذات وتأمل عميق بالحالة التي وصلنا إليها، والتي تفترض رذل التجاوزات الخطيرة، لأنها ستتحول إن لم تصحح إلى مسمار في نعش لبنان، في زمن نحتاج فيه إلى دفن ثقافة الموت والمذهبية الهدّامة.

ليس مسموحاً المسّ بالجيش اللبناني، وليس مقبولاً أي سلاح خارج إطار الشرعية أياً كانت مسبباته وأهدافه. هذا السلاح، هو أقصر الطرق إلى الهاوية. فعندما يردّ سلاح غير شرعي على سلاح غير شرعي نفقد قضيتنا ومشروعيتنا، لا بل المنظومة الأخلاقية التي عليها تأسس حلم تحرير لبنان من الإحتلالين الإسرائيلي والسوري.

لنعد إلى لحظة النقاء، يوم 14 آذار 2005، يومها رفضت المؤسسة العسكرية وبقرار حكيم، كل الضغوط الأسديّة لمنع إحتشادنا في ساحة الحريّة، فكان الجيش حارساً أميناً للتظاهرة المليونيّة، وقدمنا لعناصره وضبّاطه الشرفاء الورود البيض جنباً إلى جنب مع أهالي عرسال الذين أتوا عابرين حواجز الإحتلال يحملون العلم اللبناني والورود لا البنادق.

لا أعرف لماذا استحضرني مشهد أطفالهم بالأمس يقدمون الورود لعناصر الجيش بعد المأساة الوطنية، فعدت بالذاكرة إلى بضع سنوات خلت كي أحاول أن أنعش ذاكرة من خانتهم الذاكرة.

ولأن الجيش هو الجيش، المؤسسة الجامعة التي لم يسقط رهاننا عليها يوماً ولم نفقد الثقة بها حتى في أصعب اللحظات، أعود إلى مرحلة عشتها بالتفاصيل، فبعد سيطرة النظام السوريّ على لبنان، أي بعيد معركة 13 تشرين 1990 ودخولنا في مرحلة الإحتلال الكامل، وقتذاك، حاول النظام السوري أن يضع هذه المؤسسة في مواجهتنا، نحن طلاب الحريّة والسيادة والإستقلال. لا داعي لكي نعود إلى تلك المرحلة لكي نُطلِق مشاعر الألم الذي شعرنا به بسبب ممارسات ذاك الإحتلال، الذي تلطى مراراً خلف الجيش، ونفّذ أسوأ وأطول وأعنف حملة تنكيل بالقوى السيادية، كان ظاهرها استهدافاً للمسيحيين برموزهم وأحزابهم وناشطيهم، وباطنها تدميراً لمقومات وجود لبنان.

أراد ذاك الإحتلال أن يزرع في قلوبنا حقداً على المؤسسة العسكرية، فقام بواسطة رموزه بتفجير الكنيسة، وطارد شباب "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" و"الأحرار"، ليصل الأمر إلى جريمة السابع من آب 2001 حيث إعتقلوا بأبشع وسيلة عشرات النشطاء يتقدمهم إبن المؤسسة العسكرية اللواء نديم لطيف، فماذا كان الردّ؟ بقينا نتظاهر سلمياً ونهتف "ما بدنا جيش بلبنان الا الجيش اللبناني"، فأفشلنا خبثهم بالتلطي وراء المؤسسة العسكرية ووضعنا الإصبع في عيونهم وقلنا: مهما استأسدتم، فإن الجيش هو جيشنا، وكلّ هذا القمع هو من صنعكم.

وأتت لحظة 14 آذار 2005 لتؤكد أننا كنّا على صواب، الجيش بقيادة العماد ميشال سليمان يحمي التظاهرة التاريخية متخطياً كلّ الضغوط ويبرهن على انه شريك في صناعة الإستقلال الثاني.

لا أعرف إذا كان هناك اليوم من يحاول تكرار هذا السيناريو المُدمر، لتصوير المؤسسة العسكرية وكأنها تستهدف السنَّة، أو كأن لها "أصدقاء" حصراً من غير أهل السُنَّة يقطعون الطرق بإنتقائية مُفصّلة تزيد على ضرر المؤسسة العسكريّة ضرراً، وهو بالتأكيد ما يُدركه قائد الجيش الذي طلب الكف عن قطع الطرق وقائد فوج المجوقل الذي أطلق من عرسال ما يصح وصفه بأنه قطع للطريق على الفتنة وعدم إستهداف البلدة كبلدة أو كمذهب، علماً أن خزان المؤسسة الجامعة الأساس هو سنيّ وشهيدها الرتيب كان سنيّاً ينتمي إلى "عكار الجيش". لكن أجزم أن محاولةً من هذا النوع لا يُمكن أن تنجح الا إذا ساعدها البعض في لحظات يتحكم فيها منطق التعصّب والتهوّر على منطق العقل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل