كتب وسام أبو حرفوش في صحيفة "الراي" الكويتية:
تتزايد المخاوف في بيروت من تحول لبنان «دولة معلقة» في ظل واقع داكن يؤشر الى مرحلة اكثر سوداوية، خصوصاً اذا عجزت القوى السياسية في البلاد عن التقاط «الفرصة الاخيرة» لانقاذ ما يمكن انقاذه في مهلة لا تتجاوز الشهر، وهي المهلة الاخيرة لدعوة الهيئات الناخبة (9 مارس)، لملاقاة الاستحقاق النيابي في يونيو المقبل.
ففي اللحظة التي تتعاظم التحديات الداخلية والخارجية، وآخرها اتهام بلغاريا لعنصرين من «حزب الله» بتفجير باص السياح الاسرائيليين على اراضيها في يوليو من العام الماضي، يتجه لبنان الى معادلة صعبة، فاما التوافق على قانون انتخاب، اقله للحفاظ على الحد الادنى من ديمومة الدولة في لحظة التحولات اللاهبة في المنطقة، واما الذهاب الى «العراء» مما يجعل البلاد في مهب الريح.
وقالت اوساط سياسية مخضرمة انه في حال فشل اطراف الصراع في الداخل في التوصل الى تسوية في شأن قانون الانتخاب العتيد، فستكون البلاد امام ثلاثة خيارات: اجراء الانتخابات استناداً الى القانون الحالي، الذي يحلو للكثيرين القول انه «مات وجرى دفنه»، التمديد التقني للبرلمان لثلاثة اشهر، او تأجيل الانتخابات النيابية لسنة كاملة في انتظار اتضاح الخيط الابيض من الاسود في المنطقة.
ويبدو من المتعذر التمديد للبرلمان لسنة، لان هذا الخيار الذي لم يعتمد الا مرتين في تاريخ لبنان (ابان الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الاهلية)، يحتاج الى ظروف قاهرة غير موجودة في الواقع الحالي، لا سيما في ظل وجود قانون نافذ (قانون الستين او قانون الدوحة)، رغم رفضه من اكثر من طرف بذريعة عدم تأمين صحة التمثيل للمسيحيين، وربما لانه يضمن الفوز للمعارضة الحالية، اي تحالف «14 آذار».
اما التمديد التقني لثلاثة اشهر فهو «بدعة لبنانية»، بحسب الخبراء في القانون الدستوري ويعرضه للطعن من المجلس الدستوري، وتالياً فان اللجوء اليه سيكون مجازفة خطرة لانه لا يمكن اعتماده الا في حال واحدة، وهي تتمثل في الاتفاق على قانون جديد للانتخاب يتضمن في فقراته تمديداً لثلاثة اشهر للقيام بالاجراءات اللازمة لضمان جهوزية الدولة لهذا الاستحقاق، كالحاجة الى تحضير الادارة والناخبين في حال اعتماد نظام الاقتراع النسبي على سبيل المثال.
وبهذا المعنى فان ما يوصف بـ «التمديد التقني» للبرلمان الحالي مشروط بالاتفاق على قانون انتخاب جديد، وهو الامر الذي ينفي الحاجة الى التمديد في حال التوصل الى مثل هذا الاتفاق، الذي تؤشر المعطيات الحالية الى صعوبة بلوغه نتيجة الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية – الطائفية الاساسية، خصوصاً وان الانتخابات النيابية ليست مجرد استحقاق دستوري بقدر ما هي اداة لتكوين السلطة وتوازناتها.
هذا التحدي الذي يهدد بجعل لبنان «دولة معلقة» ليس الاقل خطورة في سلسلة تحديات قاسية، ليس اقلها سلبية اتهام بلغاريا لـ«حزب الله» في تفجير على اراضيها، الامر الذي قد يدفع اوروبا الى وضع الحزب على لائحة الارهاب، مما يعرض الحكومة اللبنانية تالياً الى عزلة غربية بعد العزلة العربية كون «حزب الله» يشكل احد اطرافها «الوازنة»، وهو ما سيولد تداعيات سياسية وديبلوماسية واقتصادية قد يصعب على لبنان تحملها.
ويتزامن هذا التطور مع استمرار تداعيات انفجار «لغم» عرسال التي شهدت قبل اقل من اسبوع جريمة اودت بحياة اثنين من الجيش اللبناني اثر «حادثة ملتبسة» لم تتضح فصولها، وسط استمرار الطوق العسكري للجيش حول البلدة ومطالبة اطراف اساسية في البلاد بضرورية اجراء تحقيق شفاف لمعرفة ما حصل، خصوصاً في ضوء اتهامات نفاها «حزب الله» بمشاركة عناصر منه الجيش اللبناني في عملية اعتقال احد المطلوبين.
ورغم المساعي المبذولة لاحتواء التداعيات الخطرة لـ«لغم» عرسال، فان اوساط متابعة لم تسقط من حسابها ان ما جرى، وبغض النظر عن الروايات المتعددة في شأنه، يأتي في سياق استباقي لحرف الانظار عن قضايا اكثر خطراً.