كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
في معراب، لقاءان على قدر كبير من الأهمّية، مع وفد نوّاب تيار «المستقبل» في النهار، ومع نادر الحريري ليلاً، والعنوان: ما جمعته «14 آذار» لن يفرّقه اختلاف عابر على قانون الانتخاب.
القلوب الملأى أفرجت عن احتقان في الصدور، سبّبته أزمة قانون الانتخاب التي كادت أن تنقل النقاش من اختلاف على جزئية مهمّة، إلى إعادة فحص النيّات في الثوابت، وهذا فضلاً عن أنّه لم يكن ضروريّاً أو حقيقيّاً، فقد أدّى إلى اهتزاز العلاقة بين مكوّنات "14 آذار"، وخصوصاً بين "القوات اللبنانية" و"المستقبل" والمستقلّين.
عند استقبال وفد نوّاب "المستقبل"، كان لا بدّ لسمير جعجع أن يبدأ بالمزاح، توجّه إلى النائب عاطف مجدلاني بالقول: "ما بيكفي إنّو المشكلة على مقاعد الروم، جايين لعندي نائب روم أرثوذكس وكمان أرمن روم أرثوذكس"؟ (في إشارة إلى النائب جان أوغاسابيان).
كان اللقاء يسمح بالمزاح، بعدما عبرت غيمة الصيف فوق سماء "14 آذار"، واستمرّ اللقاء طويلاً حتى بعد مغادرة النائب أحمد فتفت الذي كان مرتبطاً بموعد سابق.
كان لسان حال وفد تيار "المستقبل" أنّ الخلاف على قانون الانتخاب "ما كان لازِم يوصل لهون"، لأنّه أدّى إلى تضرّر صورة "14 آذار"، ومكّن "حزب الله" وحلفاءَه من تسجيل نقاط بفعل قبولهم على سبيل المناورة بالمشروع الأرثوذكسي.
أمّا جعجع فشرح موقفه، معتبراً أنّ قانون الستّين هو مقتل لـ"القوات" ولـ"14 آذار"، وأنّ ما جرى كان معبراً إجباريّاً للوصول إلى قانون يؤمّن التمثيل الصحيح ولا يضرّ بـ"14 آذار".
بعد الاجتماع مع النوّاب، كانت زيارة نادر الحريري الليلية إلى معراب، وهي الأولى بعد الغيمة الصيفية. عتاب متبادل ودافئ بين جعجع والحريري ولكن على الطريقة اللبنانية، أي على قدر المحبّة.
يقول جعجع للحريري: "عندما وافقت على المشروع الأرثوذكسي، لم أكن أتوقّع أن توافقوا، ولكن لم أتصوّر أن يذهب الأمر إلى التشكيك بالتاريخ المشترك الذي يجمعنا، بغضّ النظر عن اختلاف حول قانون الانتخاب. هذا التاريخ هو الذي دفعني لأن أقف في وجه من حاولوا إثارة أزمات طائفية (في قضية الجمعة العظيمة وغيرها)، وتذكرون أنّني قلت وما زلت أقول إنّ سمير جعجع الماروني يمثّله فؤاد السنيورة السنّي، أكثر من ميشال عون الماروني. هذه ثوابت لا تتبدّل، نحن حلفاء على أساسها (قيام الدولة، محاربة السلاح غير الشرعي، المحكمة، الربيع العربي)، منذ العام 2005 وسنبقى، فما كان لزوم هذا التشكيك؟.
تحدّث نادر الحريري عن الأثر السيّئ الذي تركته موافقة جعجع على الأرثوذكسي على الطائفة السنّية، وعلى صورة جعجع الذي يراه جمهور "المستقبل" حليفاً أساسيّاً، وركناً في ثورة الأرز، وأشار إلى أنّ "المستقبل" لم يُرِد لهذه الصورة أن تتضرّر، بفعل الموافقة على قانون يقسم اللبنانيّين، ويعيدهم إلى قانون المِلل.
المصارحة امتدّت للتطرّق إلى ذكرى 14 شباط وما تعنيه للجميع، حيث رفض جعجع إحياء الذكرى بدعوة من "المستقبل"، بل من كلّ قوى "14 آذار": "فرفيق الحريري هو شهيد "القوات اللبنانية"، كما جميع شهداء ثورة الأرز"، ولا يمكن أن يُحيي هذه الذكرى طرف واحد، حتى لو كان تيار "المستقبل"، لأنّ شهداء ثورة الأرز، هم شهداء كلّ لبنان.
إذا ما أمكن تلخيص لقاءات معراب، يمكن الخروج بالعناوين الآتية: مصارحة، ونقاش في أسباب الأزمة، ومصالحة، واتّفاق على عدم التشكيك بالخيارات الكبرى والثوابت، وتفاهم على حصر الأضرار الناتجة عن التأخّر في التوافق على قانون انتخابي، بالتنسيق الكامل في اللجنة النيابية للتوصّل إلى قانون انتخاب توافقي.
بعد المصارحة سيكون مشهد واحد لقوى "14 آذار" في 14 شباط، ولكن هذه المرّة مع فارق مهمّ، وهو أنّها ستُحيي الذكرى بعدما خرجت من أكثر الأزمات صعوبة منذ العام 2005.