ينشأ عن الاتّهام البلغاري لـ«حزب الله» بضلوعه في تفجير الحافلة الإسرائيلية مساران: داخليّ وخارجيّ، وعدم تقاطعهما لعوامل تتصل بحسابات بعض الدول الأوروبية لا يعني استقالة الفريق المحلّي من دوره وتحمّل مسؤوليّاته باتّخاذ الموقف الوطني المطلوب إزاء قضية خطيرة من هذا النوع.
يجب التمييز حتى حدود الفصل بين ما قد يصدر عن الاتحاد الأوروبي من موقف يصنّف "حزب الله" ضمن المنظّمات الإرهابية أو عدمه، وبين الموقف المبدئي المفترض بقوى 14 آذار اتّخاذه بعد أن ثبت بالملموس تنفيذ الحزب عمليّات خارجية، وبالتالي عدم جواز الربط إطلاقاً بين البعدين الخارجي والداخلي لجملة أسباب أهمّها:
أوّلاً، الموقف المحلّي لا يفترض أن يتأثر بالاعتبارات الخارجية التي تشكّل، في حال تطابقها، دعامة أساسية لمشروع الدولة في لبنان، ولكن في حال العكس، لأسباب مبرّرة أو غيرها، فلا يعني التسليم بالأمر الواقع، لأنّ المسؤولية الأولى والأخيرة بالدفاع عن الثوابت الوطنية تقع على عاتق اللبنانيين، فيما نجاحهم في استقطاب أوسع دعم عربيّ ودولي يشكّل إضافة نوعية لموقفهم، فضلاً عن وجود ميلٍ انتهازيّ يفضّل باستمرار الاتّكاء على الموقف الخارجي والتذرّع أو الاحتماء به في مواجهته مع "حزب الله".
ثانياً، بعض دول الاتحاد تبدي اعتباراتها الذاتية وفي طليعتها حماية قوّاتها ضمن اليونيفل على أيّ اعتبار آخر، علماً أنّها لو تسحب قوّاتها تقدّم أكبر خدمة للبنان، كون هذه القوات تحوّلت ليس فقط إلى مادّة ابتزاز للحزب، إنّما تشكّل غطاءً لترسانته العسكرية، فيما المطلوب منها إمّا تنفيذ القرار 1701 أو الرحيل.
ثالثاً، بعض دول الاتحاد أيضاً لا يعير لبنان أيّ أهمّية أو أولوية في المرحلة الحالية، ولا بل يدعم استمرار الستاتيكو القائم بذريعة أنّ أيّ تغيير قد يدفع "حزب الله" إلى القيام بردّ فعل يؤدّي إلى ضرب الاستقرار القائم في استنساخ حرفي ومُملّ لمرحلة الوصاية السورية على لبنان عبر الخضوع لمعادلة الاستقرار مقابل الأمن في تخاذل موصوف على هذا المستوى.
رابعاً، الاتّهام البلغاري ليس وليد ساعته، فهو معروف وكان منتظر صدوره في أيّ لحظة، ولا بل تأخّر أكثر من اللزوم، وبالتالي من السذاجة بمكان التفكير أنّ "حزب الله" طوال الفترة الماضية كان يترقّب فقط ما يمكن أن يصدر عن القضاء البلغاري من دون القيام بأيّ حركة استباقية، هذه الحركة التي تولّاها رئيس حكومة الحزب بتكليف مباشر منه بالعمل على خطين: خطّ الدولة البلغارية نفسها التي زارها لهذا السبب، وخط الدول الأوروبية عبر إقناعها أنّ وضع "حزب الله" على لائحة الدول الإرهابية يؤدّي إلى سورنة لبنان.
خامساً، ظهر بما لا يقبل الشكّ خطورة الدور الذي تلعبه الحكومة الميقاتية ورئيسها تحديداً في محطتين أخيرتين: إغتيال الشهيد وسام الحسن وتورّط "حزب الله" في بلغاريا، إذ نجحت في استمالة التأييد الدولي لاستمرارها بذريعة أو بدعة الفراغ وتبعاته.
سادساً، قوى 14 آذار لم تستأنس برأي المجتمع الدولي بعد اغتيال الحسن، عندما دعت لإسقاط الحكومة ورفض أيّ حوار مع "حزب الله" قبل تسليمه المتهمين الأربعة وتهديدها بإعادة النظر بالشراكة.
ومن هذا المنطلق كلّ ما يصدر عن الاتحاد الأوروبي هذا شأنه، ويتمّ التعامل معه وفق اللازم، أي في حال تصنيف "حزب الله" إرهابيّاً يعني تغييراً حكوميّاً فوريّاً، تجنّباً لتصنيف لبنان دولة خارجة عن القانون وعزلها، مع كلّ ما يترتب عن ذلك من ذيول اقتصادية ومالية أكبر من قدرة لبنان على تحمّلها.
ولكن ماذا لو لم يتمّ تصنيف الحزب إرهابيّاً، فهل يعني التسليم بالمعيار الأوروبّي، أم اتّخاذ موقف واضح ولا عودة عنه برفض الجلوس مع "حزب الله" المُتهم باغتيالات سياسية في الداخل وعمليات إرهابية في الخارج حول طاولة واحدة، تحت مسمّى حوار أو حكومة أو غيرهما قبل أن يسلّم المتهمين وسلاحه؟ وتوازياً هل من الممكن بعد اليوم الكلام عن حكومة تضمّ في صفوفها وزراء لـ"حزب الله" بعد الانتخابات؟ ألا يُفترض خوض الانتخابات تحت عنوان إخراج الحزب من السلطة؟
