لو أردنا تعداد النواب والصحافيين والكتّاب المنضوين في 14 آذار، المهددين بالقتل، أو برفع الحصانة عنهم، أو "المنفيين" لتجاوزنا العشرين وأكثر.. جميعهم (واللائحة تطول عند حزب العفة والورع والنقاء والطهارة!) على مرمى النار السوداء، أو على مرمى صحافة "القمصان السود!" (أي انحطاط أدركته الصحافة اللبنانية التي كانت الدرع الواقية للوحدة والسيادة والحرية والديموقراطية والثقافة: انهم معروفون سواء تقنعوا أو دَهَنوا مناخيرهم بالمساحيق أو سفروا بالقحة النافرة) أو على مرمى المخابرات السورية والإيرانية وشفيعها الصهيونية تحت الطاولة وفوقها. الرئيس سعد الحريري وعقاب صقر ومروان حمادة وجوني عبدو والمفتي الشعار والزميل فارس خشان في الخارج! بطرس حرب وسمير جعجع تعرضا لمحاولتي اغتيال وتهدد انطوان زهرا وأبو فاعور وخالد الضاهر. والعديد منهم نواب يُجرّمهم "الخوارج" و"حوثيو" الضواحي برفع الحصانة عنهم: من عقاب صقر إلى خالد ضاهر فإلى بطرس حرب فإلى معين المرعبي كلهم محاصر بسلاح حزبي مذهبي، يقرض الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية والاقتصادية انتظاراً للانقضاض عليها وقطرها بولاية الفقيه.
كأنما نبت في الضواحي، وفي الدهاليز، والأقبية المظلمة (التي لا يلمع فيها سوى القتل!) الف رستم غزالي وألف عدنان عضوم وألف شاكر العبسي وألف أبو عدس وألف محمود الحايك. فمن رستم غزالي إلى أحفاد العضاضمة(عضوم)، فالعبابسة (شاكر العبسي)، فالعدادسة(أبو عدس)، تطل بوقاحة اليوم، علامات الأمس. تجديد المنقلبات وتزيينها وتلميعها لتحطيم كل رموز 14 آذار والدولة معهم.القاضي حاتم ماضي الذي أتحفنا بطلب رفع الحصانة عن النائب المنتخب بطرس حرب الذي تعرض لمحاولة اغتيال من "المقاوم" والممانع والبطل محمود الحايك! (مجرم ببطاقة دخول أمنية! اقصد من مدرسة الاجرام حيث تخرج برتبة جنرال! فما أجمل جنرالات القتل!) بطرس حرب نائب في برلمان الأمة ارتكب كبيرة وخطيئة مميتة باعتراضه على محاولة عقد صفقة بين حزب العفة (انظروا في وجوههم واحداً واحداً ومن سيمائهم تعرفونهم!) وبين العدالة على حسابه، فالعدالة صفقة بالنسبة لحزب الصفقات، ذلك ان "الحزب" جاء نتيجة صفقة بين الرئيس الراحل حافظ الأسد ورفسنجاني! والمقاومة انشئت بصفقة مماثلة واستمرت بصفقة مماثلة.. وربما طالت ذهنية الصفقة ما يمكن اعتبارهم "علناً" اعداء! ولأن وجود الحزب صفقة تاريخية (لن تطول مفاعيلها كثيرا!) فالأجدر ان يعتمد على عقد مثل هذه "الاتفاقات" خارج القانون والقضاء والدولة، انقاذاً اما للقتلة (المتهمون الأربعة موجودون في رعاية الحزب، وكذلك محمود الحايك) واما للفاسدين الذين يحميهم برموشه الالهية المعدنية: مجرمي الكبتاغون والأدوية المزورة واللحوم الفاسدة ولصوص المرفأ والمطار، وصناع المخدرات وفارضي الخوات، والمحترفين في القنص وقطع الطرقات وإحراق التلفزيونات والصحف.. وتبييض الأموال من دون أن ننسى ممانع "الربا" صلاح عز الدين الذي يمكن أن يكون قد ُسلّم للأجهزة بصفقة!
فمحاولة حزب الله تعطيل سير العدالة في ما خص محمود الحايك ليست طارئة. بل جزء من مخطط واسع، يرسمه لتحطيم كل ما تقوم عليه الدولة: من الجيش الى قوات الأمن إلى القضاء، فإلى الاقتصاد. فهو الدولة والدولة هو! بل كأن كل يوم 7 أيار. فلا قضاء، إلا عَبره ولا جيش إلا عبره، ولا اقتصاد إلا عبره، ولا حكومة إلا عبره، ولا برلمان. ولا قوانين. ولا انتخابات. ولا تعيينات إلا عبره. ونظن ان صرخة بطرس حرب هي اكثر من رد على حاتم ماضي. وأكثر من بحث عن عدالة شخصية. وأكثر من فضح صفقة. وأكثر من كشف فساد. صرخة بطرس، لا بد من أن تكون فاتحة وطريقاً لكسر هذه الأطواق وتحطيم تلك الجدران التي يرفعها بعض المسؤولين والخارجين على القانون بين القانون والعدالة. بين اللبناني وحقوقه المدنية، بل لفصل القضاء عن الذهنية الأمنية والمخابراتية؛ والحد من تسخير القانون لقتل العدالة. فأي قوانين هذه تجافي العدالة سوى قوانين الطغاة، أو من تربى عليهم وفي محاكمهم وفي أقبيتهم؟ فالقضية لا تقتصر على حصانة أو رفع حصانة أو نيابة فقط. بل هي صلب الديموقراطية وفي صلب الحقوق المدنية. فإذا كانت "نماذج" العدالة التي شهدناها عندنا، وعند الطغاة (الذين سقطوا والذين في طريقهم إلى السقوط) على امتداد عقود ستستمر، فأي جدوى من 14 آذار ومن الربيع العربي ومن تحرير الشارع وتحرير القول وتحرير البرلمانات والحكومات والأفراد والجماعات. هذا ما يطرحه بطرس حرب. أكثر: في لبنان نظام برلماني وكلنا يعرف ان حزب الله (وأمامه الوصايتان وخلفه ما خلفه!) هو الذي عطل البرلمان سنة ونصف السنة، واغلق أبوابه بالشمع "الالهي" وهو الذي حاصر نواب 14 آذار في فندق "فينيسيا" بسلاحه وسلاح النظامين السوري والإيراني. فالتربية البرلمانية ليست من ثقافة "الحزب" ولا من هواجسه. يغلقه متى يشاء. ويفتحه "لزبائنه" متى يشاء. وإذا كان استخدم في الماضي مع حلفائه تهديد النواب وتخوينهم واهراق دمهم حتى القتل (الشهداء رفيق الحريري، بيار الجميل، جبران تويني ، وليد عيدو، انطوان غانم.. كلهم نواب!) فهو يريد تعويض خسارته في الانتخابات بالعنف. تماماً كما فعل في انقلابه الأسود على حكومة سعد الحريري: بالسلاح… والتهويل نقل الأكثرية النيابية. رائع! اليوم يستعمل سلاح "الحصانة" النيابية، وهي رديفة الاغتيال. "فمن لم يمت بالسيف مات بغيره!". وهنا سيف القضاء، ماضٍ وقاطع مشهور، على نواب المعارضة. ليجتمع النفي إلى الخارج + تعطيل الحركة في الداخل+ الاغتيال+ الحصانة + مشاريع قوانين الانتخابات العنصرية. وكلنا يتذكر جيداً انه في عهد الوصاية السورية شهدنا مثل هذه الجرائم: اما سجن المعارضين لها واما نفيهم وإما اغتيالهم بأسلحة الرصاص والترهيب والتخوين. اللعبة "ما زالت شغالة. لكن الخطورة انها انتقلت أكثر إلى العقاب الجماعي، أو إلى "أبلسة" طائفة كاملة، وتصويرها وكأنها "ارهابية" أصولية. نتذكر: هذا ما حدث في السبعينات عندما اخذت بعض الطوائف بجريرة قياداتها: من تصدير انعزالية هذه الطائفة، إلى أصولية تلك: من التصنيف العنصري إلى التصنيف العنصري. هذا ما يحاول فعله حزب الله (ووراءه الوصايتان)، وميشال عون وبعض الأبواق الصحافية المرتزقة. ركزّوا على عكار كمأوى للارهابيين. ثم عرسال اليوم. العقاب الجماعي ما زال من مواصفات 8 آذار (وارثة تاريخ الوصاية السورية ثم الايرانية) يحرض به ويشوه به صورة شريحة واسعة من مكونات البلد خدمة للنظام السوري. الذي لا يتردد في وصم أكثرية شعبه المنتفض بالارهاب وها هي عرسال محاصرة. وها هي معرضة للاقتحامات وها هم سكانها كلهم "مشبوهون"، وها هي ردود الفعل الملتبسة والمحزنة: اغتيال ضابطين من الجيش، لا يسعنا، إلا ادانة قتلهما تماماً كما اتخذنا موقفاً مماثلاً من اغتيال الشهيد سامر حنا على أيدي عناصر من حزب الله في سُجد (قلعة جمهورية المقاومة الايرانية) في الحالة الأولى: اغتنام الفرصة للعقاب الجماعي وفي الحالة الثانية (مع الضابط سامر حنا) اعتبار القتل "قضاء وقدراً" . فيا للقضاء والقدر عندما يسكنان في ايد "مقدسة" فيسجن صاحبهما ثم يطلق بطلاً بصفقة قضائية. وما نخشاه اليوم أن يكون "القضاء" على توافق مع بعض القوى (حزب الله) التي يروى انها شاركت في ما جرى في عرسال، لتحويل الأمر فتنة أو للانتقام من جماعات تؤيد الثورة السورية، أو لفتح الطرقات والدروب حُرة لادخال مزيد من السلاح للنظام السوري، لم نلمح اثراً لأي تحقيق في عرسال. ولا أحد يعرف حقاً ما جرى. ولا أحد يعرف مصير الجثث السبع، هل سُلمت للنظام السوري أم أخفيت. أكثر: لماذا اغتيل؟ ومن دون ان تصدر مذكرة توقيف او اتهامات رسمية بحقه. (أترى يختار الشبيحة ملابسهم، واقنعتهم وهوياتهم. اترى من حق مسلحي حزب الله ان يكونوا في ساحة الجريمة مشاركين. ولماذا كانوا هناك. وكيف هربوا). انها أسئلة القضاء والتحقيقات التي ينتظرها اللبنانيون لكي لا تكون العملية كلها مقدرة "مصممة" بهدف احكام الحصار على عرسال وغداً ربما مناطق أخرى. ونظن ان القضاء غير الموجود حتى الآن في مسألة عرسال منحاز بغيابه لترك الشائعات والتسريبات تملأ اعلام 8 آذار التحريضي العنصري المذهبي وتالياً ممثلاً ملصقات التخوين والارهاب أصل هذه البلدة الأبية. وهم اظهروا اجمل ما يمكن اظهاره. استقبال الجيش بالورود، وادانة قتل شهيديه، والمطالبة بتحقيق شفاف قد لا يأتي وقد يأتي. الحلقات متواصلة، متتالية مع فلول النظام السوري وحزب الله و"حلفائه". وما تحته وما فوقه لفتح السجون والمقابر للمعارضين، أو ترهيبهم، ونفيهم. من نفي عدد من قيادات 14 آذار إلى الخارج (هذا ما حصل ايام رستم غزالي وغازي كنعان.. واميل لحود) إلى اغتيالات "مشهودة" وإلى محاولات اغتيال وإلى تحويل الضحايا مجرمين، والمجرمين ابرياء. أي وضع البلاد في سجن كبير، أو الأحرى استمرار اقتباس دروس الاستبدادين البعثي، وولاية الفقيه لضرب كل صوت معارض: ورأس الحربة هو حزب المقاومة السابقة.
فالمسألة، عبر كل ما سقنا أوسع وأخطر من محاولة اذلال بطرس حرب وتجريمه وتشويه صورته. انها الانقلاب الذي ينفذ من جهات حزبية (خارج القانون وخارج الدولة والدستور) وجهات رسمية ودينية وسياسية وبرلمانية وعسكرية.. وقضائية: الحلقات مترابطة والبنية باتت مكتملة والتفنيذ مستمر منذ بداياته في 7 أيار الصهيوني بامتياز. ولهذا، وتجاوزاً للفولكلورات الاطرائية في هذه المؤسسة المدنية أو غير المدنية، علينا كسر كل التابوهات التي تتكون من جديد: الجيش؟ نعم! نحن معه. (وقد كتبنا في مديحه ودعمه عشرات المقالات)، ولكن بشروط دوره وبشروطه الدفاع عن المؤسسات والحدود وحماية الناس. والا فعلينا السعي إلى عدم توريطه أو توريط نفسه في المحاولات التي لا تريد سوى تدمير دوره وهيبته تمهيداً لتقسيمه (ما يدور اليوم في عرسال وقبلها في عكار وقبلها في الطريق الجديدة ودائماً بين باب التبانة وجبل محسن.) وعلينا ايضاً التمسك بدوره التوحيدي (لكل اللبنانيين الذين يدفعون الضرائب لتقويته وتعزيزه!) نحن مع الجيش لأننا نحن القوى المدنية ليس لنا سواه وسوى القوى الأمنية لتحمينا من ميليشيات حزب الله ومسلحي النظام السوري. وعلينا، اليوم، عدم ترك عرسال فريسة سهلة لمخططات حزب الله.
اما القضاء فنحن معه ايضاً. فهو ملاذنا الأخير. ولكن بشروط العدالة. وبشروط فصل السلطات. وبشروط عدم التسييس. وبشرط الدفاع عن الحرية والديموقراطية والبرلمان. والاختيار. فاذا خالف ذلك ولعب اللعبة الأخرى كما جرى مع النائب بطرس حرب، فيعني ان علينا نحن اللبنانيين والأحرار تجديد الصرخة التي اطلقها بطرس حرب لمواجهة هذا المنحى الاستبدادي.
بطرس حرب انت الصخرة.