لا يحتاج أهل القانون الى حكم قضائي كالذي أصدرته محكمة جنايات بيروت الأسبوع الماضي، وقضى بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة سبع سنوات بحق المواطن السوري راغب إبراهيم، بعد إدانته بجريمة قتل اللبناني عدنان شمص في 23 كانون الثاني 2007 إبان غزوة "حزب الله" على جامعة بيروت العربية، حتى يتأكدوا أن الجريمة التي ذهب ضحيتها شمص ليست سياسية إنما هي وليدة حادث طارئ كان هو من أوجد أسبابه، لكن أهمية هذا الحكم وما فيه من سرد لوقائع الجريمة وحيثياتها، تكمن في إكتشاف الرأي العام اللبناني كلّه لزيف الإتهامات والأحكام المسبقة التي أطلقها "حزب الله" يومذاك، وحمّل فيها فريقاً سياسياً (كان خصمه اللدود) مسؤولية دم الضحية، وإطلاق حملة شحن وتعبئة وتجييش، أدت بما لا يدع مجالاً للشك الى جريمة أكثر خطورة، هي جريمة خطف الشابين زياد قبلان وزياد غندور لدى عودتهما من مدرستهما، وتصفيتهما بطريقة بشعة ومقيتة، كنتيجة حتمية لحملة التحريض هذه، والتي كانت مقدمة لجرائم أوسع وأخطر وصولاً الى جريمة السابع من أيار الكبرى.
هذا الكلام ليس نابعاً من اتهام سياسي أو افتراء وتضليل كما يحلو لمسؤولي الحزب توصيف كل ردّ على إرتكاباتهم، إنما هو تسليط للضوء على وقائع وحقائق ثابتة بالصوت والصورة، وذاكرة اللبنانيين ما زالت حيّة وتحفظها بأدق تفاصيلها، فلم ينس أحد بعد هجوم "حزب الله" الصاعق على الحزب "التقدمي الإشتراكي"، والحملة الإعلامية والترويج لروايات تضليلية، تزعم أن عدنان شمص "قتل في منطقة وطى المصيطبة أثناء عودته من عمله، وجرى سحب جثته الى منطقة الكولا لتضييع "الشنكاش" وتجهيل الفاعل، والقول إن الحزب الإشتراكي هو من أغرى السوري راغب إبراهيم بالمال ليسلم نفسه ويعترف بإرتكاب الجريمة"، كما أن الخطاب الموثق بالصوت والصورة للنائب نواف الموسوي الذي قال فيه بالفم الملآن "يا آل شمص إن ثأركم عند وليد جنبلاط .. خذوا حقكم منه"، فجاء الردّ بخطف شابين في عمر الورود وتصفيتهما وإخفاء جثتيهما حوالى أسبوع بعد إلقائها في منطقة وعرة، على اعتبار أن والدي الضحيتين ينتميان الى الحزب الإشتراكي".
هذه الحادثة ليست الا عينة صغيرة من المسار الذي سلكه "حزب الله" منذ العام 2005 على أثر إنسحاب النظام السوري من لبنان عسكرياً، وتوليه هو الدور الذي كان منوطاً بالسوريين، وتوّج بتحوّل جذري إثر إنتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز من العام 2006، حيث حوّل وجهته الجهادية من جنوب لبنان الى الداخل، وبدأ حملة تخوين الشركاء في الوطن وكل من خالفه الرأي واعترض على أجندته الداخلية والإقليمية، هذه الحملة التي أرادها مقدمة للسيطرة العسكرية والأمنية على البلد، بدأت باحتلال وسط بيروت ومحاصرة السرايا الحكومية، ثم باجتياح بيروت في السابع من أيار 2008 الذي أنتج إتفاق الدوحة، وصولاً الى الإنقلاب الشامل عبر اطاحة حكومة الرئيس سعد الحريري مطلع العام 2011 وإنقلاب القمصان السود الذي أنتج حكومة المحور السوري – الإيراني، ومكنه من التفرّد بالقرار السياسي في لبنان.
بعيداً من الإستغلال لحكم يفترض أن يكون عبرة لـ"حزب الله" وحافزاً له، للإقلاع عن سياسة التخوين والإتهام وإطلاق الأحكام المسبقة، التي لا تزال آثارها السلبية تتوالى على البلد، لكن هذا لا يمنع من سؤال قيادة "حزب الله" ومسؤوليه، عمّن يعوض على عائلتي قبلان وغندور خسارة ولديهما اللذين قتلا ظلماً ومن دون أي ذنب؟، هل يستطيع الحزب أن يعفي نفسه من الدور الذي تولاه بدءاً بالتضليل وحرف الوقائع مروراً بالتحريض وصولاً الى الجريمة؟، كيف يعفي نفسه كمتدخل في الجريمة وهو الذي يحمي المتهمين الخمسة ويحول دون توقيفهم وتقديمهم للعدالة؟.
إن سياسة "صيف وشتاء تحت سقف واحد"، التي يتقنها "حزب الله" ويفرضها على عامة الناس لا تستقيم، فعند كل جريمة اغتيال سياسي أو محاولة اغتيال ينبري مسؤولو الحزب الى الدعوة للتروي وتجنب إطلاق الأحكام المسبقة، والدعوة الى إفساح المجال للتحقيق أن يأخذ مجراه، في حين أن هذه المقاربة لا تسري عليه، فهو الذي يجيد الإتهام وإطلاق الاحكام جزافاً، وهو الذي لا يعترف بتحقيق ولا يذعن لإجراءات الدولة وأجهزتها ويرفض تسليم عناصره المتهمين إن في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو في محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، أو في قضية قتل النقيب الطيار سامر حنّا، وهو بذلك لا يبالي لا بالدولة ولا بأجهزتها ولا بقضائها، وهنا من حقّ اللبنانيين أن يسألوا عمّا إذا كان "حزب الله" دخل مرحلة تعميم سلطة دويلته، لا لتكون دويلة رديفة للدولة، إنما هي الدولة بعينها؟.