#adsense

فصل من رسالة مار مارون إلى الموارنة

حجم الخط

أما وقد أسستم بطريركية على اسمي بعد موتي، فلم يعد يُجدي الكلام إن كنت راضياً على ما قمتم به أو معترضاً. وكيف لي أن أزيد في متاعبكم؟ وأنتم بسبب هذا الكرسي البطريركي، خاصمتم الإمبراطور البيزنطي، وأمضيتم سنوات طويلة حتى اعترفت بكم روما الفاتيكان.

في حياتي، وربما بعد مماتي، لم اعرف بطريركية نقلت مقرّها عشرات المرات، كما فعل بطاركتكم هرباً من الاضطهادات. ولم اعرف بطريركية تتكنّى بإنطاكية وليس لها في إنطاكية إلا القليل.

ولم اعرف كنيسة لا يرد في بال أبنائها ضرورة عودة مقرّها الى منطقة المنشأ! ما سر تلك الأرض التي اسمها جبال لبنان، والتي لا تعرفون كيف تستقرون فيها أو ترحلون عنها؟ خصوصاً بعدما علمت أنكم في مرات كثيرة، كنتم تحاربون في وقت واحد أباطرة مسيحيين وجيوش الفتح الإسلامي. أرجو أن يكون هذا العَناء مُجدِياً، وليس بدافع العناد فحسب.

ولأكون صادقاً معكم، لا يسعني إلّا إبداء الإعجاب بكم، وفي الوقت عينه الخوف عليكم من هذا العناد التاريخي الذي أُصبتم به. تعرفون كيف تُقِيمون أوطاناً، ولا تعرفون كيف تَحكمون الأوطان. تعرفون ما ترفضونه، وتجهلون ما هو في مصلحتكم. ساعة تعطون خليفتي مجد لبنان، وساعة تدخلون صرحه وتبعثرون داره وتصفونه بأقذع الأوصاف.

أيعقل أنكم في إحدى محطات التاريخ نَصَّبْتُم بطريركين اثنين في آن واحد؟ وكم أهدرتم من وقت وحبر، لتَسْتَجدوا رضى روما التي اعتقدَتْ أن عقيدتكم الكاثوليكية تشوبها شوائب المِلل والنِحل في هذا الشرق؟ أهي العلة في المياه التي تشربون أو التراب الذي تزرعون أو الهواء الذي تتنفسون؟

أهي عوامل الطبيعة والمناخ، تجعلكم غير راضين عن أنفسكم وتجعل غيركم غير راضٍ عنكم؟ رسالتي هذه لا تحمل إليكم توجيهاً ولا تكليفاً ولا قراراً كنسياً ولا حتى نصيحة. كل ما أريده، إن كان لي حق الشفعة، ما دمتم نصبتموني شفيعاً لكم، هو أن تتواضعوا قليلاً.

الانتصار على الامبراطوريات ليس بطولة وليس فخراً، خصوصاً عندما تعيشون هزيمة ذاتكم. لا تُمَنِّنوا أحفادكم وأصدقاءكم وأعداءكم بأنكم تموتون ولا تركعون. لستم وحيدي عصوركم في الشجاعة والكرامة. معلمكم ومعلمي أراد رحمة لا ذبيحة. ارحموا أنفسكم يرحمكم الله.

ربما بعضكم يسأل، لو كنت حياً، هل كنت أرضى أن تقيموا كنيسة على اسمي؟ أنا الغريب عنكم، كيف أرضى؟ نعم أنا وانتم غرباء بعضنا عن بعض. أنا لا أفهم في شؤون الدنيا، وأنتم لا تفهمون في شؤون الدين! أنا تَنَسَّكْتُ في العراء، لم أنم تحت سقف، وقلما نزلتُ تحت خيمتي. ولم أجلس على كرسي خشب، ولا على كرسي ذهب. على التراب بقيت طوال حياتي لأعود بأسرع ما يمكن الى التراب.

أما أنتم فاستغليتم ضعفي وغيابي وموتي لتقيموا عروشاً، ولتتقاتلوا على ذهب هذه الدنيا. وما حاربتم سلطاناً إلّا لأنّ في نفوسكم سلطاناً يريد أن يحكم مكانه، وربما بظلم أبشع من ظلمه. الحمد للعناية الإلهية لأنّ زمنكم في الحكم كان دائماً زمناً قصيرا. تليق بكم العذابات ولا تليق بكم السلطة، وستبقون تحت وطأة هذه اللعنة الى أن تعودوا عودة الابن الشاطر.

يومذاك أقول كنتم أمواتاً فعشتم، وضالين فوُجدتم. نعم إنكم أبنائي الشاطرون! أخذتم اسمي لتُقيموا مجداً زائلاً لأنفسكم. وبدَّدتم رصيدي على موائد المُقامرات الدولية والمغامرات الشخصية. الحكام والمستبدون لم يضطهدوكم لأنهم قساة، بل لأنهم شعروا بأنكم لا تقدّرون ألمي وصلاتي وعذاباتي.

لم يحاربوكم لأنكم على ديني وعلى دين سيدي، حاربوكم لأنهم وجدوا فيكم شبهاً بهم! صدقوني لو كنتم تملكون ذرة من إيماني، لكنتم قلتم لهذا الجبل الذي اسمه لبنان، انتقل الى جبل قورش وحلب ولكان انتقل. لقد ثَبُتَ بحكم التجارب، أنكم ضعفاء، فأتيتم الى جبل لبنان بدلاً من أن يأتي الجبل إليكم! لا التقى جبل على جبل، ولا التقى إنسان مع إنسان.

وحتى لا تفهموني خطأً، أنا لم أطلب منكم هذه الطوباوية في النظر الى شؤون الدنيا والدين، ولم أطالبكم بهذه الرسولية التاريخية التي تدَّعون، ولكن انتم تنطّحتم الى هذه الابراج العالية، وتوهمتم أن علو النفس يُقاس بقدْر ارتفاع قراكم عن سطح البحر! سيدكم المسيح ظهر مجده حول بحيرة، ولكن أنتم من يتبجح ليل نهار بأن البحار والمحيطات لا تتسع لمجدكم وعظمتكم. تواضعوا. ثم ما سر هذه العلاقة السخيفة بينكم وبين ستة آلاف سنة حضارة؟ من منكم، إلّا قلة، تعرف من هو جدّ جدها؟ المسلم فيكم كان مسيحياً.

والمسيحي منكم صار مسلماً. الأرثوذكسي انتقل ملكياً كاثوليكياً، وعائلات درزية وسنية حولتهم السلطة موارنة، وكثير من "موارنتي" بحسب ما يُقال يغيّرون دينهم ليطلقوا! في عرفي ونهجي وإيماني، أنتم، بصراحة، وثنيون منذ ستة آلآف سنة! توقفوا عن الاحتفال بعيدي، ففي كل عيد أنتم لستم بخير. أُصلي لكم لتصبحوا على خير. وبارك يا سيد.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل