#adsense

حذارِ الثورات الناقصة!

حجم الخط

قليلاً ما تحصل ثورات شاملة تترسخ معها الحقوق وتُصان الحريات، وغالباً ما تكون خطواتها ناقصة، فهدف الثورة الأساسي حماية حقوق الفرد على حدّ قول "John Stewart" الذي تأثر بالثورة الفرنسية،

"La révolution implique l'intervention pour protéger les droits de l'individu".

وإذا لم تأتِ الخطوة الأولى من الثورة بأهدافها فيجب أن تُستكمل بخطوات، لتترسّخ الحقوق في الدساتير والقوانين والممارسة، وتُصان كرامة وقيمة الإنسان ورفعة دوره، وإلّا فلا معنى للثورة، لأن القيم الإنسانية وحدها تحرّر من المفاهيم السياسية الخاطئة، فهي وحدها تبقى على الدوام مهما تغيّرت أشكال الحكم

"Les valeurs humanitaires restent constamment malgré les changements des régimes politiques ".

فالقيم وحدها تحرّر الإنسان من الاستعباد واستبداد الحاكمين، فاستمرار الإعتداء على الحقوق والحريات العامة يولّد الثورة، وسوء إدارة المرافق العامة يولّد الثورة أيضاً، وسوء توزيع الثروة يولّد الثورة أيضاً وأيضاً.

هكذا قامت الثورة في الحضارات الغربية ولم تتوقف بعد، فالثورة الفرنسية المستمرة رسخت جانباً مهماً من الحقوق ولم تزل، وأسقطت عروشاً وحرّرت شعوباً، يغذّيها في ذلك روح الثورة المستمرة، التي فرضت على الحاكم احترام الحقوق وصيانة الحريات بغض النظر عن الجهة الحاكمة أكانت من اليمين أم من اليسار من العسكر أم من الوسط. فالثورة المستمرة سمحت بمحاكمة الكبار من رؤساء ووزراء ونواب، ولم تقف المسؤولية عند حاجز معين، أما قوت الثورة الوحيد فهو توق الإنسان إلى إعلاء شأن قيمته ومساواته مع الحاكم المسؤول سياسياً وقضائياً، فهو يخضع لسلطة القانون الذي يساوي بين المواطنين من دون تفرقة أو تمييز.

أما ثورات العرب على حكامهم فليست ككل الثورات، لأن ثورة الإنسان على الحاكم المستبد لا يجب أن تكون لمجرد الرغبة في استبداله بحاكم آخر، علمانياً كان أم متديّناً، إذ لا خوف من المتديّن المتنور والمعتدل والمنفتح، ولا خوف أيضاً من العلماني الذي يصون الحريات والحقوق ويحترم المعتقدات.

وقد قامت الثورات في بداياتها ضد الملوك والحاكمين المستبدين وأحياناً ضد الكنيسة، وما صحّ هناك يصح هنا أيضاً. لذلك لن نتوقف عند أولى مظاهر التغيير في نماذج الحكم لدى بعض الدول العربية، لأن عدم استكمال ترسيخ المفاهيم الحقيقية للحقوق والحريات سيجعل من الثورة مجرد حدث، فيما الثورة تمثل مساراً طويلاً لا يجوز أن يهدأ قبل تثبيت كل الحقوق والقيم وصيانة الحريات.

فلا يعتقدنّ أحد أن الثورة في ليبيا أو تونس أو اليمن انتهت أو أنها استكملت خطواتها، فالثورة المستمرة في مصر مثال يُحتذى به، ومستقبل الدول الباقية لن يكون بمنأى عن هذه التطورات، فحاجة الإنسان إلى صيانة حقوقه والدفاع عن حرياته تدفع إلى ثورات وثورات، فاحزنوا إذا تأخرت وافرحوا إذا استمرت. فثورة الحق تبقى كالخلجان والبحار الهائجة، نبض لا يهدأ حتى تصان الحقوق والحريات وتهدأ القلوب من ظلم بعض الحكام وبطشهم وفساد أخلاقهم وعشقهم المستدام للسلطة.

أما نحن في لبنان، فإننا نعيش الإنفصام في شتى الميادين من ثورة هجينة ونخوة مفقودة، نزرع الفساد بأيدينا ونسقيه من ممارساتنا، نزيد من العقم السياسي ونجمّل تخلّفه، تكفينا الحاجة وتنقصنا الرؤيا، نثور ونتخاصم لصالحهم بدلاً من الاختلاف على من يؤمّن الحقوق ويصون الحريات، نتعايش مع مصائبنا كما يتأقلم الأبرص مع برَصه. تغيب الحلول عنا فيما العوائق والصعوبات تقف في وجهنا لأننا لا نملك الجرأة على مواجهة الواقع والحقيقة. ولا نكف عن جلد الذات أو احتقار الواقع. أما القدرة على التغيير فيقف في وجهها ترددنا وخوفنا على أنفسنا وخوفنا من بعضنا البعض. أمّا نهجنا فهو تجهيل مستقبلنا الذي نتنازل عن صنعه ونضعه رهن التجاذبات الدولية التي تتحرك بمساعيها الحميدة لفضّ نزاعاتنا. يوازي كل ذلك غَنميّة سياسية كقاعدة للانطلاق في العمل السياسي، حتى باتت ناموساً من نواميس الحكم في لبنان وأساليبه، وهي التي تهين كرامة الإنسان وتسلبه قيمته ودوره، هذه القيمة التي لا نتذكّرها إلّا بالمسرحيات السياسية الساخرة ونشرات الأخبار الجريئة. أما ثقافة الحاجة فهي قوت الفقراء واقتناع الميسورين، فيما الأغنياء بعيدون عن هذا الواقع المرير. زد إلى ذلك كله غريزة الجماعة التي تتقدم على غريزة المواطنة ما يدفعنا للسؤال: كم ثورة وثورة تنقصنا بعد؟!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل