#adsense

عفوك يا أبينا مارون (بقلم جورج العاقوري)

حجم الخط

في التاسع من شباط كثرٌ يتذكرونك، ولكنّ كثرا منهم من تلتبس عليهم الامور فيشوهون حقيقتك، بعضهم بسبب جهلهم لسيرتك أو عدم إستيعابهم لحقيقة هذا العشق الابدي بين لبنان والموارنة… منهم من يخالونك متمسكا بجمهورية ورئاسة، ومنهم من ينعتونك بـ"الانعزالي"… ومنهم ومنهم ومنهم…!!!

في ذكراك يا ابينا مارون، وعند سماعك هذا الكلام، لا أخالك إلا متأملاً مبتسماً، تجتاحك المحبة فتفيض غفراناً ويتملكك سلام لا ينبض… أخالك فرحاً بصليبك الذي يزداد ثقلاً يوما بعد يوم من كثرة أخطائنا وتجنيات بعضهم بحقك، فرحاً لأنك على خطى المعلم تسير مدركاً ان كل صليب هو طريق الى القيامة.

عفوك يا أبينا، أنت الذي لم تسع يوماً لتأسيس كنيسة ولا "مارونستان" ما. فمملكتك من مملكة الرب يسوع ليست من هذا العالم، أنت يا من أدمن الزهد وإلتحف العراء في جبال قورش في القرن الرابع، وعشق النسك الذي لم يمنعه من التواصل مع المؤمنين زارعاً الرجاء والفرح ومغدقاً عليهم الفضائل التي أنعمها الله عليك. فغلبت بصلاتك وسيرتك الوثنية التي كانت تجتاح شمال سوريا يومها، طابعاً المسيح في النفوس. فتحلق حولك الاجداد تلاميذاً نساكاً وكنائس بيتية وساروا على نهجك، فوسموا بايمانهم واعمالهم موارنة… وكان بطريركنا الاول مار يوحنا مارون المؤسس العملي للكنيسة السريانية الانطاكية المارونية…

ومذ ذاك وعشق ابدي يجمع بين لبنان والموارنة، لبنان الفكرة يومها والوطن اليوم لا بل الاكثر من وطن لبنان الرسالة. فلبنان في صلواتنا وعلى مذابحنا، وبه تتكنى رهبناتنا، واسمه يطبع ابناءنا، وارزته أمنا مريم. وعشقنا للبنان هذا ليس من باب العنجهية ولا من باب الاحتكار بالطبع، إنه عشقنا للحرية. ومن يعشق الحرية لا يقبل ان يقيدها بطائفة. من هنا فهمنا للبنان الرسالة، رسالة العيش معاً بإحترام كلي لبعضنا البعض وبعلاقة من الند الى الند بعيداً عن اي ذمية أو تبعية.

واليوم، وفي خضم ما تشهده منطقتنا من رياح تغيير وشد حبال بين هلال من هنا ومد من هناك، وبين قلق بعضهم على الوجود جراء التوازنات الديمغرافية وموجة بيع الاراضي، وبين الزمن البائس الذي حذّرنا منه ابينا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، وبين إنتقاد بعضهم غير المحق للتعددية في البيت الماروني خصوصا والمسيحي عموماً، واللوم المحق لمحاولة بعضهم تغيير الهوية الجماعية لمآرب شخصية مرة بحجّ الى براد ومرات بتصرفات ذمية لغيات شخصية، لا يسعنا في ذكراك يا ابينا مارون إلا ان نطمئن الجميع أن لا خوف على الوجود إن مشينا على هديك نزهد بالمصالح الشخصية لخير الجماعة، ونقاوم وثنية القرن الواحد والعشرين بالصلاة وقول كلمة الحق… ولا خوف على لبنان إن عرفنا نحن أبناءك أن نتجدد لنواكب العصر ونعطي "قيمة مضافة" لمحيطنا، وأن نتجذر في أصالتنا ونغرف من تاريخ ابائنا المقاوم وعشقهم للارض ومن قمم القداسة المرتفعة في وادي قنوبين في آن معاً.

ولمن قد يسيء فهمنا أكان مسيحياً أو وطنياً، نردد مع المفكر شارل مالك في رسالته "الكثير المطلوب من الموارنة": "… عندما أقول ان الموارنة أعطوا لبنان بشعبه وتراثه وقيمه، لا أعني ان الفئات الأخرى بتراثها وقيمها هي ملك للموارنة. إنّ ما أعنيه أنّ الفئات جميعاً أعطيت بعضها لبعض بمجرد وجودها في بلد واحد تتفاعل فيه بعضها مع بعض. بهذا المعنى لبنان، بشعبه وتراثه وقيمه، أعطي للدروز وللسنيين وللشيعة وللأرثوذكس وللكاثوليك الملكيين ولجميع الفئات الأخرى التي تتكون منها الأسرة اللبنانية"…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل