#adsense

لا بدّ أن أسمّيها زيارةً مسمومة!

حجم الخط

أكتب هذه المقالة تحت وطأة الاستهوال، من جرّاء زيارةٍ حجّ فيها بطريرك الجماعة المارونية إلى دمشق، في زمنٍ موسومٍ بأنه زمن طاغيةٍ، فضّل لا أن يترك لشعبه حرية تقرير مصيره بيديه، بل أن تصير بلاده قاعاً صفصفاً، وأن توصف بـ"الأرض الخراب".

تمّت الزيارة تحت هدفين معلنَين: الاحتفال بعيد شفيع الجماعة لتأكيد ثباتها في أرضها، والمشاركة في تنصيب يوحنا العاشر بطريركاً على انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.

لن أُوارب، بل سأذهب مباشرةً إلى القصد، لأطرح سؤالَين اثنين:
الأول، هل كان الناسك التاريخي العظيم الذي اتخذ في هذه الفانية اسم مارون، ليشعر بالخيبة والإحباط واليأس لأن بطريرك الجماعة المارونية لم يحتفل بعيده في دمشق؟

الثاني، هل كان الموارنة في أرض انطاكية الروحية ليُنتقَص من علاقتهم بالأرثوذكس، لو أن بطريرك أولئك تخلّف عن الذهاب إلى دمشق في مناسبة تنصيب سيّد هؤلاء؟
لا أزعم صواباً، لكن جوابي هو الآتي: لا مارون كان ليخيب أمله في هذا الجالس على سدّته البطريركية، ويُحبَط، وييأس، ولا الأرثوذكس كانوا ليُنتقَص منهم في شيء.

لماذا إذاً، يا سيّد؟
تداركاً، أقول: ليس لأيٍّ كان، أن يملي على البطريرك ما يفعل وما لا يفعل. فهو حرٌّ، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. ثمة روحٌ قدسٌ يلهمه ليخطو الخطوات التي يخطوها، وليس للمعترضين على الزيارة وعلى إملاءات الروح القدس أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها بسبب زيارةٍ كهذه.

فليعترض المعترضون، وليمتعضوا. أما الذين رأوا في الزيارة بشارةً وأملاً، فأنا أجلّهم، وإن لم أوافقهم الرأي.
أعود إلى سؤالي: لماذا، ذهبتَ يا سيّد؟ أقنِعْني بالأسباب التاريخية الموجبة. أظهِرْ لي علامات الروح القدس، لأني لم أقتنع. ولأني، حقاً، أريد أن أقتنع.

لقد صافحكَ الكثر من المتعلّقين بأهداب رسالتكَ، فما "ظهر" لي أنهم عاينوا أثراً للمسامير. هم أرادوا أن يلمسوا ثوبكَ البهيّ، لعلكَ تشفيهم من هذين الخوف والهلع المصيريين، فلم أجد لهم شفاءً.
أما أنا فقد "رأيتُ" وآمنتُ. لقد "رأيتُ" وجه الطاغية، ماثلاً أمام مرآته، مقهقهاً: ها قد جاء سيّدهم أخيراً إلينا. هؤلاء الفلاّحون العتاة الأجلاف القساة، المتشبثون بالحرية والمعاندة، والمنافسون لعنفوان الجبال، ها قد جئتُ بسيّدهم إلى هنا، فصلّى، وباركَ، في حمايتي، وتحت ظلّي.

… كثرٌ من اللبنانيين والسوريين، بل ملايين، لم يروا ما "رأيتُ"، لكنهم آمنوا بما "رأيت". فطوبى لهؤلاء الذين لم يروا وجه الطاغية، وآمنوا بالسبب الجوهري للزيارة، التي لا بدّ أن أسمّيها زيارةً مسمومة، كي لا أسمّيها ملعونة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل