#adsense

القليعة… صَرخة في وَجه ظلم الماضي والدولة

حجم الخط

كتب ألان سركيس في "الجمهورية":

في وقت تطلق الدولة العملاء الذين تعاملوا مع إسرائيل وتخفّض الأحكام القانونية الصادرة بحقّهم، تستمرّ في الإطباق على بلدة القليعة التي لم يتعامل أهلها مع إسرائيل، بل جعلتهم الظروف المأسوية التي فرضتها الحرب الأهلية يرضخون للأمر الواقع لأنّهم لا يريدون هَجر بلدتهم، فيما العملاء موجودون في كلّ القرى ومن كلّ الطوائف، والتوقيفات الأخيرة أثبتت هذا الأمر.

تقع القليعة على تلّة مشرفة على مرجعيون، وتواجه ظلم الماضي والدولة معاً، ويحسب من يزورها للمرّة الأولى أنّها بلدة فقيرة مُعدَمة تكاد تخلو من أبسط سُبل العيش، وأهلها هجروها نتيجة الأحداث التي مرّت عليهم، لأنّ المناطق التي تقع على الأطراف تعاني الفقر المدقع.

في الطريق إلى القليعة، تتراءى السهول الخضراء وقطعان المواشي التي استغَلّت شروق الشمس لتقوم بنزهتها. الجنوب عانى القصف والدمار لكنّه لا يعرف الحرمان، فالمساعدات التي تأتي بعد كلّ حرب ساهمت في إعماره، كما أنّ التدمير المستمرّ نتيجة الحروب الإسرائيلية أدّى الى تجديد البناء. حال الطرقات جيّدة على رغم بعض الحفَر، وما ينقصها فقط هو وضع لوحات تدلّ على أسماء البلدات، لكنّ شعب الجنوب الذي يُلاقي زائره بالترحاب، يساعده في الوصول إلى وجهته.

في الجنوب، ترتفع صوَر الرئيس نبيه برّي وأعلام "أمل" أكثر من "حزب الله"، وهناك نقمة ما زالت موجودة لدى الشيعة على الفدائيّين الفلسطينيّين الذين استعملوا القرى متاريس للهجوم على إسرائيل.

بعد اجتياز الليطاني، يصبح من السهل الوصول الى القليعة التي يرتفع على إحدى تلالها صليب كبير. في أوّل البلدة وُضعَت مكعّبات إسمنتية تشير الى أنّها من مخلّفات الاحتلال، لكنّ الحقيقة أنّ البلدية وضعتها لمَنع مرور الشاحنات الكبيرة التي تحفر الطريق. على الجوانب غرَسَت البلدية أشجار صنوبر صغيرة، ويبدو الاهتمام بها جليّاً، حيث رُبطت الغرسات على عود لكي لا تكسرها الريح، ولُفّت بشريط حديدي من الأسفل إلى الأعلى كي لا تأكلها فئران الحقل أو المواشي، ولا تتعدّى المسافة بين الغرسة والأخرى 4 أمتار.

في أحياء البلدة الداخلية، تتلاقى بسيارات فخمة، فلا مكان للسيارات القديمة إلّا في الاستعمال الزراعي، بينما حركة السير نشطة بسبب مرور أوتوستراد مرجعيون في وسط البلدة. بيوت القليعة ليست متواضعة، والإنارة على الطرقات متطوّرة وهي على الطاقة الشمسية، وتكاد الأعمدة تتلاصق بعضُها ببعض، في حين تفتقد العاصمة بيروت هذا النوع من الإنارة. في وسط البلدة تجد كنيسة مار جرجس، وقد بُني تمثال له على الطريق العام، فيما تمتلئ المطاعم بعناصر قوّات "اليونيفيل" الذين تمرّ دوريّاتهم في البلدة، وقد لوّنت الكراسي على الطرقات باللون الأزرق دليلاً على وجودهم.

في آخر البلدة ترتفع صورة لأحد شهداء "حزب الله" الذي فجّر نفسه بالقرب من أحد المراكز الإسرائيلية، لكنّه أصاب عائلة من القليعة وأعطب أفرادها، من دون إيقاع خسائر بالإسرائيليّين.

بداية المعاناة

يختزن أهل القليعة في داخلهم معاناة عمرها أكثر من 37 عاماً، بدأت منذ أن شرّعت الدولة العمل الفدائي الفلسطيني من العرقوب. لكنّ الفلسطينيين لم يلتزموا اتفاقية "القاهرة"، وبدأوا بتنفيذ العمليات العسكرية من كلّ قرى الشريط الحدودي، ما دفع إسرائيل الى الردّ من دون أن تستطيع الدولة الحَدّ من إنفلاشهم. وبعدما بدأت ثكنات الجيش اللبناني تتساقط، عمدت مجموعة من الجيش الى تنظيم نفسها من أجل تأمين الحماية للبلدات، وانتشرت في مرجعيون والقليعة. لكنّ البلدة حوصرت وبقيَت من دون أكل وشرب وكهرباء… تخَلّت الدولة عنها ولم تجد مَن يحميها، وسط قول رئيس الجمهورية آنذاك الياس سركيس وفق الأهالي: "تعاملوا مع الشياطين ولا تهجروا قراكم"، خصوصاً بعد مجازر العيشيّة والدامور.

لجوء سياسيّ

بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، هرب عدد من أهالي البلدة الى إسرائيل خوفاً من العمليات الانتقامية. أمّا مَن بقيَ وسلّم نفسه، فقد نُقل الى سجن زحلة ولم يُعامل معاملة الأسير. وهكذا، عادت الدولة بعد غياب 25 عاماً لتزيد الظلم بعدما تركت شعبها، ثمّ أتت لتحاسبه.

يبلغ عدد سكّان القليعة نحو 5600 نسمة، والواقع المرير الذي مَرّت به البلدة دفع عدداً كبيراً من أهاليها الى طلب اللجوء السياسي، حيث بدأت موجات الهجرة الى السويد عام 1990. ويقدّر عدد المهاجرين بنحو 2000 شخص، إضافة الى نحو 800 شخص في إسرائيل.

حذر من "الخارج"

يُخيّم الحذر عند الأهالي، وإذا أردت السؤال عن شيء معيّن في البلدة، فإنّهم يستفسرون "من أين أنت؟ وماذا تريد؟". أمّا سبب هذا الحذر المستمر، فهو الخوف من الخارج الذي قد يأتي للاستفسار. فلا يخلو بيت في القليعة تقريباً من أن يكون أحد أفراده هرب الى إسرائيل. وبالتالي، يرفض أهلهم الظهور الى الإعلام، لكنّهم يدعون الدولة الى "العمل الصادق لحلّ مسألتهم، لأنّهم ليسوا عملاء". ويرفض الأهالي إلصاق التهمة بالبلدة "حيث عانى الشريط الحدودي من إسرائيل، والعملاء هم من كلّ الطوائف، أمّا جيش "لحَد" الذي ضمّ في عداده عناصر من مختلف الطوائف، فتقلّص عدد المسيحيّين فيه مع مرور السنوات". ويطالب الأهالي "بعَفو شامل عن أبنائهم، مردّدين مقولة: "لن ننسى من ذهب إلى إسرائيل، ولن نرضى أن يأتوا إلينا في النعوش".

محاولة للاستمرار

يقول مختار القليعة جوزف سلامة لـ"الجمهورية"، إنّ "الأهالي عادوا الى الدولة والوظائف العامّة بعد الانسحاب الإسرائيلي، لكنّ المشكلة التي تواجهنا أنّ المتقاعدين لم يقبضوا لا الطبابة ولا المعاش التقاعدي الذي هو حقّ مكتسب لهم، ونعمل على حلّ هذه المشكلة مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، والأحزاب والقيادات المسيحية، لكن من دون نتيجة حتى الآن". ويشير سلامة إلى أنّ "كلّ متّهم عليه أحكام انتهى حكمه، لكن الدولة أنزلت أسماءهم على النشرة وهم يواجهون عرقلة في المطار، كما أنّ الأحكام تسقط بمرور الزمن، فيما الذين ذهبوا إلى اسرائيل بعد العام 2000 هربوا إثر تهديد السيّد حسن نصرالله قبل أشهر من الانسحاب، بأنّه سيذبح كلّ من تعامل مع إسرائيل في غرف نومهم".

ويشير سلامة إلى أنّ "الأهالي متمسّكون بالبقاء في أرضهم على رغم ضيق فرص العمل، حيث لا معامل ولا معاهد ولا جامعات، كما أنّ المشكلة هي في الجيل الذي كان عمره 10 سنوات عندما اندلعت الحرب، لأنّه لا يجد عملاً ولم يعد باستطاعته التقديم على وظائف الدولة".

الانتماء السياسي

تغيب عن البلدة المراكز الحزبية التابعة للأحزاب المسيحية، ويقطنها حاليّا نحو 2600 نسمة، قسمٌ منهم يعيش في بيروت. أمّا معاناتهم مع النواب فهي كبيرة، إذ لا نائب للموارنة، من هنا لا أحد يهتمّ بهم. وحسب المختار سلامة، فإنّ "نائب مرجعيون أسعد حردان يفوز بأصوات "حزب الله" وحركة "أمل" ولا يحتاج إلينا، مع أنّنا انتخبناه مع اللائحة عام 2000، لكن عندما لمسنا عدم اهتمامهم، أعطينا الجهة المقابلة، أي "14 آذار"، وتحديداً أحمد الأسعد الذي نال 1100 صوت مقابل 200 صوت للائحة "8 آذار".

عمل البلدية

تحاول البلدية التعويض عن حرمان الدولة، ويؤكّد نائب رئيس البلدية شفيق ونّا لـ"الجمهورية" أنّ "البلدية وبالتعاون مع "اليونيفيل" أنارت البلدة وطلبت 30 لمبة على الطاقة الشمسية، كما طلبت مساعدتها في تأهيل ملعب المدرسة الرسمية ولبّت الطلب. من جهتها، تعمل البلدية على تشجير نحو 1000 دنُم أرض بأشجار صنوبر عمرها 10 سنوات، كما مدّت شبكة الصرف الصحّي لنحو 200 منزل وستكمل المشروع، وتسعى إلى تجميل البلدة من خلال بناء حيطان دعم وبناء مبنى للبلدية على حساب الرئيس حنّا ضاهر". ويشير ونّا إلى أنّ البلدية "تقيم المهرجانات التي تُعتبر من أقوى مهرجانات الجنوب، فيما الاتكال على الهبات وسط غياب المساعدات، فلا الدولة ولا المسؤولون السياسيّون، أو حتى مطرانية صور يعنيها أمرنا، ونحن الوحيدون الذين لم نصطدم مع أيّ من الأحزاب اللبنانية في الحرب، ولم نذبح على الهوية، كما رفدنا الجيش بـ 600 عسكري وكنّا خزّانه مثل عكّار". يصرّ أهالي القليعة على عدم بيع أراضهم، وسط موجة البيع التي تعصف بالمناطق المسيحية، وإذا أراد أحد بيع أرضه يجتمعون ويشتريها منه أحد أبناء القليعة، لأنّه حسب قولهم لا يحلو للإنسان العيش إلّا في بلده، مشيرين الى حصول عمليات بيع في بلدة الخربة، لكن ما لبثوا أن سارعوا واستدركوا الموضوع.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل