لا يمكن المتابع للشأن العام ان يمر مرور الكرام بزيارة بطريرك الموارنة مار بشارة بطرس الراعي الى دمشق يومي السبت والاحد للمشاركة في تنصيب بطريرك الروم الارثوذكس يوحنا العاشر. ولا بد من قراءة اكثر موضوعية من التصريحات الانفعالية التي سادت في اليومين الاخيرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبلغ بعضها حد الانجراف الى تشويه المقدسات والتطاول عليها ولو عرضا ومن غير قصد، هو انجراف عاطفي بلغ حد تفلت الغرائز وصولا الى التجريح والشتيمة.
في المقابل، لا اوافق الامين العام لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد على دعوته الآخرين، اي غير الموارنة، او ربما غير المسيحيين، الى عدم التطرق الى الزيارة وترك امر الترحيب بها او انتقادها للمسيحيين انفسهم. في كلام سعيد محاولة حماية للراعي من تعليقات جارحة وتهجمات اكيدة لن توفر زيارته بكل ابعادها، وربما تناولته شخصيا في حركته ومواقفه، لكن رجال الدين، كما رجال السياسة، وكل متعاط للشأن العام، معرضون في حركتهم اليومية للانتقاد، فكيف اذا كانت لحركتهم انعكاسات وترددات تصيب الجميع في الداخل والخارج، وكيف اذا كانت حركة رجال الدين عندنا في قلب السياسة، وربما كان بعضهم يهتم للشؤون الدنيوية اكثر من انشغاله بأمور الدين.
الاكيد ان البطريرك الكاردينال جريء في خطوته التي تقارب حد الخطر، وان يكن النظام السوري جهد لتأمين غطاء امني للزيارة، كما لاحتفال التنصيب الذي أقيم أمس، ليظهر أمام العالم مظهر الدولة القادرة على حفظ امنها وامن ضيوفها. الزيارة في بعدها المسيحي تعطي دفعا معنويا لمسيحيي سوريا والشرق في هذا الظرف العصيب، وهو بعد كنسي مهم في حياة الرعاة منذ العصور الاولى للمسيحية عندما كان الاساقفة يموتون من اجل رعيتهم ويبذلون انفسهم عنها. لم يكن الاساقفة يتحركون في مواكب مصفحة وتتوافر لهم الحماية الامنية.
لكن للزيارة ايضا بعدا سياسيا واضحا وان شاء منظموها الا يركزوا على هذا الجانب، او ان يغفلوه كليا. فالتوقيت غير مناسب، وفي غياب "الغطاء المسيحي" الذي درج العماد المتقاعد ميشال عون على توفيره للنظام السوري بزيارته لبراد في عيد مار مارون، بدت زيارة البطريرك كأنها تسدّ فراغه. وكانت واضحة موافقة الرئيس السوري الضمنية على عدم دعوة البطاركة لزيارته، وعدم اصراره على لقاء البطريرك الماروني على رغم الطابع التاريخي للزيارة لبلده. وفي كل هذا تنسيق ضمني واضح يتخطى حدود الزيارة الراعوية.
هذا في الشكل، أما في المضمون، فان الموقف حرج، اذ ركز البطريرك الراعي على الاصلاح من الداخل وبالحوار، وهو ما فسّر بأنه دعوة الى ابقاء الرئيس الاسد والتحاور معه لتحقيق اصلاحات يعلم البطريرك جيدا انها مستحيلة مع نظام كهذا النظام…
صحيح ان للبطريرك ملء الحرية في ما يفعل وما يقول، ولسنا في موقع الانتقاص من دوره، ولكن من حقنا أن نسأل عن ارتدادات زيارته. هل تريح المسيحيين السوريين في تعاملهم مع مواطنيهم من غير المسيحيين، ام تحرك غرائز من سيقرأون مواقف البطريرك على هواهم او وفقاً لما يدركون فتأتي العواقب وخيمة كما في خطف ثلاثة كهنة امس في سوريا؟
الجرأة والاقدام شرطان ضروريان لتولّي مراكز قيادية، لكن الحكمة تبقى القيمة الاغلى منهما، لأن الامور مرهونة بنتائجها. ولا بد أن ننتظر.