بقرارها حجب من أثار عاصفة من الشتائم ومن السلوك غير اللائق في أحد البرامج السياسية منذ يومين، أثبتت شاشة MTV مرة أخرى وبـ"موضوعية" شعارها القديم الجديد، "أنقى صورة للحريّة".
هذا عهدنا بالإعلام اللبناني الذي تستدرجه أحياناً أفخاخ الشبيحة وهاجس رفع نسبة المشاهدة. هذا القرار يصلح لأن يُعمم ليكون بدايةً لتطبيق ميثاق إعلامي يقوم من جهة على إحترام الرأي والرأي الأخر ومن جهة أخرى يطرد كل من يستعمل هذا الحق محوّلاً إياه شذوذاً غير مقبول في الحياة السياسية.
من كان مثلي لا يبايع من كان مثلك، عبارة يختصر فيها الإمام الحسين الكثير، في زمن صارت فيه الشتيمة مهنة وإهانة البشر من بني البشر إستسهالاً تُساهم الحداثة في سرعة ترويجه ويتضخم منطق الإستخفاف في التعامل معه.
ففي زمن يحتاج فيه المواطن العائد إلى منزله بعد تعب النهار، والتواق إلى معرفة ما يجري في كواليس السياسة بمجرّد سماعه نشرة أخبار المساء، وبعدها حتماً البرنامج السياسي الليلي الذي ينتقل من شاشة إلى أخرى بحثاً عن حوارٍ راقٍ يُستفاد منه في تكوين الرأي حول المستجدات.
إلى أن غزت "موضة" الإستئساد والتشبيح معظم الشاشات فصار الشبيّح نجماً تتسابق على إستضافته الفضائيات بهدف رفع نسبة المشاهدة وعلى قاعدة أنّ "الرأي العام بغل" كما يقول سعيد تقي الدين. لا يا سادة وعذراً، فهناك بعض الرأي العام كذلك، لكنّ الأكثرية توّاقة إلى ثقافة مهددة بالضياع في حال إستمرّ هذا التمادي غير المقبول في عصر تندثر فيه قتَلة الشعوب ويضمحل يوماً بعد يوم منطق الإستئساد الذي فتك بنا ولم يزل، فكانت أحدث إنجازاته، "شبيحة الشاشات" وهم في أغلبيتهم الساحقة من فلول المنطق البعثي الخشبي البائد.
هنا، يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على الشاشة المستضيفة للشبيح تارةً لجذب أكبر عدد من المشاهدين وتارةً أخرى تلبيةً لتمنيات بعض الجهات الخبيثة التي تعمل على خلق رجالات كرتونية من العدم، هدفها فقط ترهيب الناس بكلمات تافهة تخدش الذوّق العام لتنال تصفيق من بنوا أمجادهم على ترهيب البشر، فيما يتحمل الضيف الشريك إن وُجد ما تبقى من مسؤولية قبوله محاورة هذه النوّعية الهابطة من فصيلة البشر.
هؤلاء يا سادة لا يمتّون للمنطق بصِلة، فكيف تفتحون لهم الشاشات والمنابر. هؤلاء منتجات لغرف المخابرات السوداء، إنهم "روبويات الشتم"، فلماذا تبيضون هوياتهم المشبوهة، وما فائدة تربعهم إلى جانبكم، وتعريض الرأي العام لمحنة سماع شتائمهم، إرحموا المشاهد واحترموا كرامته، واحجبوهم.
بالأمس دخل النظام السوري على خط تبييض الأموال من بوابة بنك المدينة وعلى نفس القاعدة يُمارس اليوم قبل رحيله، لعبة تبييض من نوع مختلف. فتبييض الشبيحة يتجاوز منطق الرأي والرأي الآخر إلى ما هو أخطر، إلى التشريع لهؤلاء ومن وراءهم بأن يستمروا بالتشبيح، وفقاً لمعادلة مفادها أن كل من يمارس الشتيمة والبذاءة والتدني الأخلاقي، سيكافئ بوضعه على الكراسي المذهبة في استوديوهات البرامج الحوارية، مكافأة للإستئساد وعقاب جماعي لأعصاب الناس وكرامتهم.
رب قائل إن الإعلام كناية عن مجموعة من الرشاشات القادرة على إطلاق نيرانها في كل المنازل وفي الوقت عينه، فاحذروا قتل الناس عبر شاشاتكم التي يستغلها البعض لتشويه صورة وإستبدالها بأخرى غير مألوفة تكاد تلفظها أغلبية العقلاء الساحقة.
لذلك لا بد من دعوة صادقة الى الجميع، النقاش صحي وضروري ومطلوب، لحظة تختار وسائل الإعلام ضيوفها من كل الاتجاهات، فالإختلاف في وجهات النظر يغني الحوار، ويجذب المشاهد، لكن ثقافة الشتائم والشتامين لا يجب أن تعطى لها فرصة الإنتشار والتعميم.
الدعوة هنا بكل بساطة لغربلة واختيار من سيتحملون مسؤولية مخاطبة الرأي العام، ولا بأس من ميثاق شرف واتفاق على لائحة ممنوعات في استضافة الكتاب والصحافيين والسياسيين وحتى الفنانين، وهذه اللائحة يمكن أن يضاف اليها كل من يخرج عن القواعد والأصول.
حينها فقط سيخضع "إرهابيو المنابر" لقواعد اللعبة ويفكرون ألف مرة قبل أن يأتوا بأي عمل مناف للأخلاق والقيم. هذه المحاسبة بإسم الناس أضحت أكثر من ملحة، حبذا لو راقب المسؤولون عن وسائل الإعلام كيف انتفخت ظاهرة تصدير المخبرين متنكرين بيافطات مزعومة ومراكز دراسات وهمية، وها هي ظاهرة رشق المياه تتفاقم لتكاد تُصبح عُرفاً على أساسه يتم تقييم نجاح البرنامج أو عدم نجاحه.
والدعوة أيضاً برسم جميع أهل الرقيّ من الذين تستضيفهم الشاشات، فلا يغرّنكم المنبر الذي يدعوكم لحوار مع من لا يُجيدون لغة الحوار مستبدلين منطق النقاش للإقناع بمنطق كيّل التُهم المُعلّبة والسُباب، سعياً إلى تغليب أسلوب الشتيمة التي يعتبرها العقلاء، علامة من علامات الهزيمة.
وما يصح على قاعدة هتلر التي تدعوكم إلى عدم الجدال مع الأحمق كي لا يخطئ الناس في التفريق بينكما، يصح أيضاً أن النقاش مع الشتّام هو تعميم للشتيمة وعدم وضع حدّ للشبيّح هو مساهمة عن قصد أو عن غير قصد في فنّ التشبيح. إنها ومع الأسف، لعنة الإستئساد من خلال التشبيح على الشاشات.