ماذا كان حصل لو ان النظام الاسدي سحب جيشه من لبنان، منصاعاً للقرار 1559، من دون أن يغتال الشهيد رفيق الحريري يوم 14 شباط 2005؟سؤال لا بد أنه خطر، مرّة على الأقل، في أذهان اللبنانيين. وفي تلمس الاجابة نتذكر أن الرئيس الشهيد تميز بكونه مبادراً يذهب الى الأزمة التي تتراءى ولا ينتظرها. براغماتي يحسن تقديم تنازلات جزئية، او شكلية، لانقاذ الموقف او القضية.
كان الانسحاب العسكري سيتيح للشهيد القفز فوق الاحتقان وتحويل العلاقة بين سوريا ولبنان، من وصاية واحتلال إلى تكامل يستكمل عربيا. فهو آمن ان التنمية تضمن الاستقرار، وتفتح ابواب التقدم والترقي. ولم يكن الحاحه على ادخال البلدين في الشراكة الاوروبية الا من ضمن هذه الرؤية. فهي تعطي دفعا لعمليات الإصلاح الاقتصادي والإداري والمالي والضريبي في البلدين، وصولا إلى تكوّن منطقة استقرار سياسي أمني، وتبادل تجاري حرّ، أي تكتل إقتصادي – سياسي في مقابل مشروع الشرق الأوسط الجديد الأميركي – الإسرائيلي. كانت الشراكة الأوروبية ستلزم النظام السوري، عبر المصالح، بتخفيف وطأته على شعبه، وتدجينه على الديموقراطية بتشجيع المنظمات الأهلية على المشاركة السياسية. وهو ما فسر تلكؤ دمشق المتكرر في الإلتزام، ثم في التطبيق.
كان الشهيد انطلق بقوة أكبر في استخدام هامته الدولية والعربية ليتخذ لبنان الموقع المتقدم الذي يستحق، عربيا وعالميا، في السياسة والإقتصاد والتجارة والديبلوماسية، ولكان لبنان نموذجا في العملية الديموقراطية، التي تأخذ في حسبانها التنوع الديني.
هل كان الشهيد طرح مشكلة سلاح الحزب؟ بالتأكيد. ومع الحزب نفسه لاعتقاده أنه شأن لبناني أولا، سيما أن الجنوب تحرر في أيار 2000، وأن الجمع بين منطق الدولة وادعاء أبدية المقاومة مستحيل. والسؤال الحقيقي هو هل كان الحزب وافق؟ لا بالتأكيد، لأن وظيفته أبعد من لبنان، ولأن النظام الأسدي لايختلف معه في ذلك.
حين تخطى نجله سعد الحريري آلامه وزار دمشق، رئيساً لحكومة وحدة وطنية، أراد ان يضع خط نهاية لعداء الاسد الابن لمشروع رفيق الحريري النهضوي الذي يوصل إلى استعادة السيادة والاستقلال، بعد شكوك الاسد الاب في انه يعمل على لجم اطماعه في الهيمنة على لبنان. وهل أدل على العداء والشكوك من الكمائن السياسية التي كان ينصبها السلف والخلف، كلما نجح الشهيد في خطوة تحصن مكانة لبنان، حتى بلغ الإسفاف بزبانية نظامهما ان اطلقوا عليه سفاهاتهم واوصافهم المعيبة؟
في ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري ازداد اقتناعا بأنه اغتيل لما كان سيفعل، لا لما فعل. فلبنان قوي سيد، ولو متفاهم مع نظام الأسد، ومتحاور مع حزب السلاح، لا يناسب الاستراتيجية الإقليمية الطارئة، لأنها لا يمكن أن تقبل بلبنان إلا ساحة مواجهة، أو ورقة تفاوض.