تحت حُجة "التضامن مع الجيش اللبناني"، قد تتحوّل ساحات لبنان من شوارع آمنة، نوعا ما، الى شوارع مشتعلة بدواليب ذات لهيب برتقالي تساعد في تشويه صورة لبنان إقليميا ودوليا.. مشهد يعود في الذاكرة الى المرحلة التي كان يشعل فيها بعض اللبنانيين في مناطقهم الدواليب احتجاجا على انقطاع التيار الكهربائي وممارسات وزير الطاقة والمياه.
انقلاب الحلفاء على "التيار" في تلك الظروف، يقابله اليوم "لعب على الحبلين" يتقنه العونيّون دون أن يحقق هذا "اللعب" انقلابا في وجه التفاهمات، ما عدا الإنقلاب على الوجه الحضاري الذي ينادي به العونيون دون أن يطبّقوه يوما. ففي ممارسات هؤلاء تنقلب كل المعادلات الحسابية وتنعكس نتائجها حتى ليمكن القول "خطان متوازيان قد يلتقيان"! أما التفاصيل فتنطلق من أداء رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون منذ كان قائدا للجيش حيث استغل الجيش لتحقيق غايات ثبت أنها خاطئة وكأن الجيش اللبناني يشكل سيفا أو ترسا في محاربة ميليشيا "القوات اللبنانية"، آنذاك، في حين يتحالف اليوم مع ميليشيا "حزب الله"، والذي عليه بموجبه أن يترجم "حبّه الكبير" للجيش بالضغط على حليفه المسلح كي يسلم سلاحه على قاعدة "بتحب الجيش سلمو سلاحك".
تحالف على حساب الجيش، وتفاهم على حساب الجيش أيضا.. هكذا يمشي العونيون في مخطط ضرب الجيش ضاربين عرض الحائط صورة لبنان الحضارية التي تتناقض مع صورة الدواليب المحروقة والتحرشات التي مارسها مشعلو الدواليب بحقّ المارين وإرباك الجوّ وتأخير المواطنين وإغراقهم في زحمة سير الكل بغنى عنها.. ويعلو مستوى الدفاع عن الجيش في اليوم التالي فيذهب كثيرون على صفحات التواصل الإجتماعية على تلفيق الأخبار وإطلاق الدعوات الباطلة..
إن كان هذا ما يفعله العونيون دفاعا عن الجيش، فعلى أي نحو سيتصرّفون إن أرادوا الدفاع عن حليفهم "حزب الله"؟ ولتكن الفرضية على الشكل التالي "كيف سيكون رد فعل العونيين إذا ثبتت تهمة الحكومة البلغارية لعنصرين من "حزب الله" في تفجير الحافلة؟" صحيح أن التيار العوني يبالغ، لا بل يفتعل، دفاعه عن الجيش إنما لسبب واحد وهو حماية ميليشيا السلاح التي تحمي مصالحه وتقدّم له ما شاء من الكراسي.. وربما الدواليب.
نداء الى كل من أشعل تلك الدواليب دفاعا عن الجيش وكل من يؤيد هذه التحركات غير المنضبطة والتي تساعد في نشر الفوضى "بتحب الجيش سلمو سلاحك".. وليكن السلاح كله محصورا بيد الجيش اللبناني، ولترفع يد السلاح غير الشرعي عن كل المربعات الأمنية إفساحا في المجال في أن يدخلها الجيش ويطهّرها من الفساد واللاشرعية. وإن كان منطق الرياضيات يرتبط مباشرة بقاعدة "خطان متوازيان لا يلتقيان" فقد آن الأوان ليختار التيار العوني، وإن متأخرا، خطا واحدا: إما الشرعية وإما الخارج عنها.
في هذا الإطار، يقول عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب طوني أبو خاطر " إن التيار العوني لطالما ارتكز في سياسته على المصالح الآنية ومن أجلها يسخّر كل مقدرات الدولة، وأبشع صورة في هذه المرحلة كانت حين ذرف دموع التماسيح على شهداء الجيش اللبناني"، مضيفاً "هؤلاء هم شهداء لبنان كلّه وشهداء كل من يؤمن بهذا الوطن وبمؤسساته خصوصا مؤسسة الجيش التي هي الضامن الوحيد لوحدة اللبنانيين".
ويتابع "نتمنى أن نراهم يساعدون الجيش على فتح طرق المناطق الخارجة على القانون، لكن في الواقع هم يغلقونها"، موضحاً "نراهم مع حلفائهم يقفلون الطرق ويقطعون أرزاق العالم ويعتمدون على الشحن وكل هذا يصبّ في الإطار الإنتخابي المقبل".
ويلفت أبو خاطر الى أن "عون كان قائدا لجيش مصغّر حين كان الجيش منقسما، وكان الهدف من حكومته المؤقتة التحضير للإنتخابات ولم يكن دورها حلّ الميليشيات أو نشر الأمن، ولو كان يملك بعض القناعات لما كان تحالف اليوم مع الميليشيات لوهم اللبنانيين بوثيقة التفاهم". ويختم "من يملك قناعات ومواقف ثابتة لا يمكنه التقلّب من يوم الى آخر، أما محبة عون تلك للجيش فهي لغضّ الطرف عمّا يفكّر فيه، فيما دوره الحقيقي زعزعة أمور الدولة خدمة لأطراف معينة تريد بناء دويلتها".
من جهته، يرى عضو المكتب السياسي في تيار "المستقبل" النائب السابق مصطفى علّوش أن "النفاق هو سلاح ميشال عون في مواجهة الحقائق ومواجهة المنطق، ويكفي للدلالة على ذلك اللامنطق الذي تمّ استخدامه في مهرجان الأشرفية للتأكد من أن الشعار الأول للتيار العوني هو النفاق أولا والفتنة ثانيا". ويخلص علوش الى القول "عمليا لا نستغرب أن يتلوّن "التيار" في أحاديثه وتصاريحه حيث يطلق مواقف ثم يطلق نقيضها تماما بناء على معطيات معيّنة".
ويشرح بأنه "من يحبّ الجيش عليه أن يحب أن تمارس مؤسسة الجيش دورها كما يلزم ومن دون أي مواربة"، ويتابع "من هنا يصعب عليّ أن أفهم كيف يمكن لأحد أن يحب الجيش وسلاحه فيما يطرح نفسه بخدمة سلاح هدفه الأساسي تدمير معالم الدولة وهو سلاح حزب الله؟".