يوماً بعد يوم، يتأكد للبنانيين ان الحكومة عاجزة بارادة داخلية عن الحياد في الازمة السورية، على الرغم من ادعاءاتها النأي بالنفس، فهي تنأى عن معالجة التحديات الداخلية والبحث في حلول للازمات التي يواجهها اللبنانيون، بينما تهرع مسرعة لمعالجة مشكلات النظام السوري المحاصر بعقوبات وفقاً لقرارات أميركية وأوروبية فتهرب الى جيشه المازوت والبنزين، ولا تتقاضى الرسوم الموجبة حتى عبر الحدود، كما يهرب "حزب الله" مقاتليه "المقاومين" ليجاهدوا ضد الشعب السوري.
وآخر "إبداعات" هذه الحكومة النائية "العمياء والصماء والبكماء"، عما يجري، قيام وزير الطاقة جبران باسيل، بإعطاء تصاريح موقعة لتهريب المازوت والبنزين من منشآت الزهراني الى الجيش السوري بواسطة صهاريج كبيرة تحمل لوحات سورية، وفي ذلك مخالفة قد تدفع باقتصاد لبنان المتدهور أصلاً الى الهاوية، لا سيما بعدما تردد في الأوساط الديبلوماسية بأن الإدارة الأميركية تدرس كيفية التعاطي مع خرق الحكومة اللبنانية لنظام العقوبات الدولية ضد سوريا.
الحجار: سياسات مجتزأة
يقول عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد الحجار أن "ما تم كشفه إعلامياً وبالصورة عن تهريب البنزين والمازوت الى الجيش السوري، حتى يوضع بالدبابات والآليات التي تضرب الشعب وتدمر القرى في سوريا، يدل على انتقائية هذه الحكومة، وعلى أن سياسة النأي بالنفس التي تدعي الحكومة القيام بها مجتزأة، وهذا ما سيؤدي الى مزيد من المشكلات والمآسي والمعاناة للبنانيين، لأنه عندما تريد الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الكبرى أخذ إجراءات معينة ضد لبنان وضد ما تقوم به الحكومة اللبنانية، ينعكس في النهاية على كل اللبنانيين وسيتسبب بضرر كبير لهم".
ويلفت الى "وجود كثير من الدلائل على السياسة المجتزأة للحكومة في الأزمة السورية، إن كان بالسكوت عن تدخلات الجيش السوري واعتداءاته على حدود لبنان والقيام بعمليات قصف تتسبب بسقوط شهداء والسكوت عن إرسال مقاتلي "حزب الله" بالآلاف للقتال في سوريا لدعم النظام السوري ودليله تشييع القتلى الذي يجري في قرى لبنانية هنا وهناك، هذا التدخل في الشأن الداخلي السوري سينعكس لاحقاً بشكل سيئ على لبنان وسيرتد سلباً عليه". ويشير الى أن "تهريب المازوت الى سوريا بموافقة الوزير باسيل يحصل من دون دفع جمارك على الحدود كما يفترض أن يكون عليه الأمر في عبور الشاحنات وهذا يتسبب بخسارة للخزينة اللبنانية هذا في الأحوال العادية، وما يحصل حالياً هو أن الوزير يعمل وفق التوجيهات التي يتلقاها من مسؤوليه في سوريا ومن قبل المرشدين في الحكومة".
ويشدد على "أهمية عدم تضييع البوصلة في الخطاب السياسي في ظل التطورات التي تحدث في لبنان والمنطقة وهو وجود الحكومة التي تجلب مشكلات للبلاد وهذا ليس من باب التجني وإنما ما تؤكده الأرقام والوثائق عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي حيث يحكى عن نسبة نمو صفر في المئة، وهذا ما يشير الى تراجع كبير في حجم الاقتصاد، فكيف إذا اتخذت تدابير وعقوبات على لبنان نتيجة سياساتها؟". ويختم مؤكداً ان "لا حل إلا برحيل الحكومة بشكل عاجل".
نادر: خطر العقوبات
ويعتبر المحلل السياسي واستاذ العلاقات الدولية سامي نادر ان "خرق الحكومة للعقوبات ضد الاسد، يشير الى تهرب لبنان من مسؤولياته والتزاماته العربية والدولية، لكون العقوبات المفروضة على النظام السوري وايران تنص على انه لا يجوز لاحد مساعدة هذين البلدين على التهرب من هذه العقوبات او الالتفاف عليها، والخطر يكمن في ان تشمل هذه العقوبات لبنان، فتصبح الامور المفروضة على ايران ولاسيما على سوريا مفروضة على لبنان باعتباره مساحة اقتصادية ومنظومة مصرفية واحدة مع سوريا، هذا لب الخطر، اي يجر لبنان الى حيث لا مصلحة له". ويتابع "حاليا العيون مفتوحة علينا، من جراء ستخدام اشخاص مقربين من "حزب الله" النظام المصرفي في عمليات غير واضحة وهذا الشيء يؤدي الى اقفال مصارف وهناك كلام عن مصارف تعمل في إفريقيا متورطة، وقد جرت أكثر من 5 زيارات لموفد من الخزانة الأميركية للبنان والذي كانت له خلال لقاءاته بالمسؤولين اللبنانيين ورئيس مصرف لبنان تحذيرات واضحة وإن أخذت طابعاً ديبلوماسياً، فإذا لم تضبط الحركة التجارية والمصرفية، وسمح لسوريا أو إيران باستعمال لبنان للتفلّت من العقوبات، فهناك خوف فعلي من أن تشمل العقوبات نفسها لبنان. سياسة النأي بالنفس ضرورة اقتصادية، ونحن إذا لم نحيّد اقتصادنا نتضرر في ظل أزمة اقتصادية عالمية نحن متضررون منها فكيف اذا كانت هناك تقارير ملموسة تشير الى تورطنا بما يخالف القوانين الدولية؟".
وعما إذا كان من الممكن اللجوء الى تدابير عسكرية تحت الفصل السابع، يرى نادر أن "الولايات المتحدة ليست بحاجة الى استخدام الفصل السابع وهي غير متحمسة لاستعمال التدخل العسكري لا سيما في ظل ولاية الرئيس باراك أوباما، ولكن هناك أقسى من استخدام البند السابع، ربما لو استخدمت هذا البند لوضعت حداً لآلام الشعب السوري، ولكن هذه العقوبات ليست مدرجة في البند السابع ولكن إذا فرضت العقوبات الى لبنان، "خلص يعطيك العافية". كل اقتصادنا وكل اقتصاد العالم قائم على عنصر الثقة، فإن غابت الثقة عن النظام الاقتصادي والمصرفي اللبناني، أي لا تعود تصلنا التحويلات من الخارج وهي مقوم أساسي لاقتصادنا، وتساهم في مساعدة اقتصاد لبنان وتخفيف الدين العام، فإذا غامرنا اليوم في الثقة نأخذ اقتصادنا نحو الانهيار".
وعن الحديث عن أن تمرير المشتقات النفطية مفيد للبنان، يجيب: "ظاهرياً قد يدخل لنا المال لأننا نبيع هذه المواد للخارج ولكن هناك عقوبات اقتصادية، ولا يجوز لأحد اللعب بالقوانين الدولية، هناك حصار على السوريين وطرقاتهم مقفلة وأوصال سوريا مقطعة والطريق الى دمشق غير آمن والثوار نجحوا في إزعاج طرق إمدادات الجيش النظامي ومن هنا لجأ هذا النظام الى خط بيروت الشام، لانه خط آمن بالنسبة له لتغذية جيشه".
ويحمّل نادر الحكومة مجتمعة مسؤولية تصرفات باسيل، ويشدد على أن "القرار الذي يجب أن تتخذه هذه الحكومة معروف وهو إيقاف هذه الأعمال بشكل فوري وإلا التحذيرات لن تنفع لاحقاً، وبرأيي الأمور تخطّت التحذيرات، والحكومة قد تواجه تدابير دولية سواء عبر قرارات صادرة عن الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة وأوروبا استناداً الى هذه الخروق الدولية التي قام بها لبنان وستلحق بعقوبات واضحة، وحتى لو لم نصل الى هذه النقطة في ردود الفعل التي يمكن أن تصدر ولكن بهذا الوقت نكون قد أضفنا عنصراً جديداً الى الملف اللبناني، أي هناك "خبرية عاطلة" أخرى عن لبنان أضيفت، وبالتالي فإن ذلك يخيف كل مستثمر وكل سائح يمكن أن يفكر في المجيء الى لبنان، أي زدنا الطين بلّة، نحن بحاجة الى أن نعطي مثلاً جيداً عن لبنان، حتى يتجاوز أزمته الاقتصادية ولكن اليوم هناك نقاط سود في حقه، خرق العقوبات ضد الأسد، إضافة الى ما أعلن عنه قبل أيام من تورّط "حزب الله" في تفجير "بورغاس" ببلغاريا، وردّ الفعل المحتمل للمجموعة الأوروبية بوضع الحزب على لائحة الإرهاب هذه الإشارات تضخ الى الأسواق العالمية والمعنيين وهي سلبية جداً على لبنان وصورته، وتبعد المستثمرين، من هنا يأتي خطر هذا الخرق".