كتبت رين بو موسى في صحيفة "النهار":
فرحوا بكلمتي طفلتهم الأولى، "ماما"، "بابا"، ولشدة فرح العائلة سألت الجدة الحفيدة "شو اسم ضيعتك؟" فأجابتها الطفلة "سد البوشرية". لم تفهم تلك الطفلة سبب الغضب الشديد الذي اشعلته في قلبي جدها وجدتها: "حفيدة بلدة كفرسلوان لا تعرف ضيعتها". حال تلك الطفلة حال كثيرين، دفعوا واهلهم ثم حرب لم يريدوها، ولا يزال اهالي بلدة كفرسلوان يضرسون. فالاهالي لم يعودوا الى كفرسلوان حتى اليوم، ومساعي المصالحة مستمرة والعودة رهن المساعي".
بعد قفل ملف عودة مهجري بلدة بريح الشوفية، فتحت صفحة الملف الاخير من فصول الحرب: عودة اهالي كفرسلوان. بلدة عصفت فيها رياح الحرب، هجّرت أبناءها فلاذوا الى احضان بلدات لم يعرفوها من قبل. بلدة جمعت لسنوات عائلات مسيحية ودرزية، فصلت الحرب بينها وهجرت ابناء البلدة الواحدة في اتجاهين. ابو موسى، شمعون، صليبا، صليبي، الشاعر… عائلات مسيحية طالما عاشوا واخوانهم الدروز من عائلتي حاطوم والمغربي. تعددت الاسباب والنتيجة واحدة، ملف اخير ناتج من حرب دامت 30 سنة. اما الحل، فيسعى المعنيون اليه رغم العوائق.
أسباب التهجير
كفرسلوان هي البلدة الوحيدة التي لم تتم فيها المصالحة حتى اليوم، والاسباب متشعبة. فمنذ العام 1975، عام بدء الحرب اللبنانية، بقيت كفرسلوان محافظة على العيش المشترك حتى يومنا هذا، رغم محاولات كثيرة لضربه. ولأن اهل الصلح والمحبة اقوى من اهل الشر، بقيت كفرسلوان على هذه الحال حتى العام 1982.
في تلك السنة، وقع حادث مؤسف بين شاب من عائلة ابو موسى وآخرين من عائلة المغربي، أصيب أبو موسى وقتل شاب من آل المغربي. هذا الحادث ادى الى نزوح قسم من آل ابو موسى المقربين من الشاب، وبقي الآخرون، وسلم الاخير الى القضاء واقيمت ضده دعوى قضائية. وبفضل المصلحين ظلت البلدة محافظة على عيشها المشترك، لكنها لم تنج من الاشكالات، اذ توجه شبان منها الى منزل شخص من آل شمعون على خلفية عملية خطف حصلت في "المنطقة الشرقية" يومذاك طالت شخصا من آل حاطوم، وحصل تبادل لاطلاق النار فقتل شاب. بعد تلك الحادثة تم تهجير آل شمعون من البلدة وبقي قسم من المسيحيين يعيشون فيها رغم كل الحوادث حتى الساعة.
ثم قام بعض الشبان بالذهاب الى بلدة جوار الحوز وقتلوا إثنين من آل شمعون، وتم نصب كمين بين جوار الحوز وقرنايل من شابين من آل مغربي لسيارة كانت تقل رجلاً وزوجته وشخصاً من آل حاطوم، وأطلقوا النار عليها فقتل الرجل وزوجته على الفور، أما الشخص الثالث من آل حاطوم فنقل إلى المستشفى في حال حرجة لكنه استطاع كشف هوية مطلقي النار، وما لبث أن فارق الحياة.
أصبحت المشكلة في كفرسلوان متشعبة بين عائلة أبو موسى المسيحية وآل المغربي الدروز من جهة، وآل مغربي وآل حاطوم الدروز من جهة ثانية، وآل حاطوم وآل شمعون المسيحيين من جهة أخرى، وبين البلدتين المجاورتين كفرسلوان وجوار الحوز.
الحل قريب ولكن إلى متى؟
سنوات مرت من دون حلول، والمساعي المتواصلة تكثّفت، خصوصاً بعد قفل ملف بريح. أعرب وزير العدل شكيب قرطباوي، ابن كفرسلوان، عن آماله بإنهاء الملف، وعودة الأهالي الى بلدتهم، لافتاً الى أن الجميع يعمل لانهائه وإزالة كل العوائق. وأشار الى أن الملف سيقفل قريباً، موضحاً أن للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي والمطران كميل زيدان دوراً كبيراً في هذا الملف. وأكد قرطباوي لـ"النهار" السعي الى إيجاد حل قريباً، "يهمني كابن البلدة، وكلبناني في الدرجة الأولى أن نطوي صفحة الحرب نهائياً، وتكون فعلاً خاتمة الأحزان في الجبل".
من جهة ثانية، أكدت مصادر بكركي لـ"النهار"، ان البطريرك الراعي سيستمع الى كل الأطراف، لافتاً الى أنه يعمل على الملف بالتنسيق مع المرجعيات المعنية بالموضوع، مع رئيس الجمهورية والنائب وليد جنبلاط ووزير العدل شكيب قرطباوي ووزير المهجرين علاء الدين ترو، والمطران زيدان. وكان الراعي التقى الأول من أمس وفداً من البلدة، عرض على البطريرك، التفاصيل والمشكلات التي تقف عائقاً في وجه اتمام المصالحة.
من جهته، أكد وزير المهجرين علاء الدين ترو أن الوزارة تواصل جهودها لانهاء الملف، وأشار الى أن العائق الوحيد لعودة الأهالي الى بلدتهم، هو الدعاوى القضائية، مؤكداً ضرورة إزالة العوائق والتوصل الى حل. تجدر الاشارة الى أن بعض عائلات الضحايا تطالب بتسليم المطلوبين الموجودين خارج الأراضي اللبنانية، الى القضاء اللبناني.
الحوادث التي مرت على ابناء بلدة كفرسلوان مؤلمة، ولكن آن الأوان كي تنتهي، فالمطلوب إيجاد حل. الملف في عهدة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ووزير العدل إبن البلدة، ووزير المهجرين، والنائب وليد جنبلاط والبطريرك الراعي الذي يقال إن "جذوره من هذه البلدة". عسى وعلّ أن تتعرف تلك الفتاة على بلدتها التي لم تعرفها سوى من أحاديث أهلها والأصدقاء.