كتب ايلي الفرزلي في صحيفة "السفير":
إذا كان صحيحاً ما يتردد أن المختارة هي المعبر الإلزامي لأي قانون انتخابي، فهذا يعني إبقاء قلة من المشاريع المتداولة على بساط البحث. حتى من يحاول تمرير قانون لا يناسب النائب وليد جنبلاط، يسعى جاهداً إلى إقناعه بأن التعويض ممكن، والكتلة الوسطية التي يريدها «البيك» محجوزة له بغض النظر عن القانون. برغم ذلك كله، لا يرتاح جنبلاط لكل التطمينات. يبقى الأصدق تعبيراً بين كل مريدي «قانون الستين». يجاهر بتأييده له بالرغم من أنه يعرف أنه سقط بالثلاثة: الحرم الكنسي الذي فرضته بكركي والحرم الميثاقي للأحزاب المسيحية والحرم السياسي للأكثرية النيابية.
لهذا يفتح جنبلاط الباب أمام كل مساعي التوافق كما يغرف مما لديه في هذا الاتجاه. ممثل «جبهة النضال الوطني» في اللجنة الفرعية للانتخابات النائب أكرم شهيب يعرف أن لا بديل عن التوافق شرط أن لا يكون إقصائياً لأحد. لم يكتف بالاستماع إلى المتخاصمين، إنما حاول جاهداً البحث عما يقرب بينهم. قدم الاقتراح تلو الآخر، لكنه بات الآن يشكك في نية البعض إجراء الانتخابات فعلاً.
يتحسر شهيب على قانون «الستين»، عائداً في الذاكرة إلى ما قبل العام 1960. يذكّر من نسي أن ذلك القانون كان نتاج مرحلة طويلة من تدوير الزوايا التي تلت أحداث العام 1958. يقول لـ«السفير» إن الرئيس فؤاد شهاب لم يمش بهذا القانون إلا بعدما وجد أنه الوحيد القادر على ضبط الواقع المتردي، انطلاقاً من مبدأ «لا خاسر ولا رابح». كان ذلك مطلباً شعبياً في حينها أيضاً، حيث ملئت الطرقات بشعارات تدعو إلى ترسيخ اللاغلبة لأحد، فكان قانون «الستين».
يعود شهيب إلى الوقت الراهن، مؤكداً أن الزمن لم يتغير كثيراً والصراع المستمر هو وحده الذي أعاد تعويم القانون نفسه، مع بعض التعديلات، في «اتفاق الدوحة». ويضيف: لأن الصراع ما يزال على حاله، نحن أعلنا منذ البداية تأييدنا لهذا القانون، كما أكدنا في الوقت نفسه أننا حاضرون لتطويره. أما وأن «الستين» صار بعيد المنال، وانطلاقاً «من حرصنا على تفكيك المشكلة من جذورها حتى لا تظهر مع كل انتخابات، دعونا إلى تطبيق الطائف».
كان شهيب أول من طرح إنشاء مجلس الشيوخ، بما يكسر القلق عند البعض، فيما ينتخب مجلس النواب وفق القيد الطائفي أو خارجه. يقول شهيب «إن رفض المشروع جاء بحجة أنه متقدم جداً، فقدمنا مشروعاَ واقعياً مختلطاًً يهدف إلى عدم ترجيح كفة أحد على حساب أحد، وينتج كتلة وسطية صغيرة تكسر الاصطفاف الحاصل». المشروع الثاني رفض أيضاً «لأنه لا يحقق المبتغى الأساسي منه أي الغموض البناء»، بحسب معارضي المشروع.
إذا استمرت الأمور على المنوال نفسه، يؤكد شهيب انه «مش رح يمشي الحال». ونتيجة إصرار كل طرف على قانون يؤمن له الأغلبية، بدأ شهيب يعبّر عن موقف مختلف: انطلاقاً من رفض الطروحات الوطنية وتمسك الطوائف بمصالحها، صار من حقنا أن نتكلم عن مصالحنا أيضاً.
لا ينكر شهيب في الأساس أن المشاريع التي طرحها تأخذ بعين الاعتبار مصلحة «جبهة النضال» «لأننا لسنا ملائكة»، إلا أنه يصر في الوقت نفسه أن منطلقها لم يكن المصلحة الخاصة إنما السعي إلى كسر الاصطفافات القائمة.
وما لم يقله شهيب عن تلك المصلحة الخاصة، ينقله بعض الموفدين السياسيين الذي يلتقون جنبلاط. هؤلاء يؤكدون أنه لا يكترث للاقتراحات التي تعطيه مفتاح اختيار معظم او كل النواب الدروز في لبنان وفق «الأرثوذكسي». بالنسبة لجنبلاط تبدو المعادلة مختلفة. يهتم بالحصة المناطقية أكثر من حصته من الدروز، على أهميتها بالنسبة له. ينظر إلى الجنوب أو بعلبك فيراهما مطوبين للطائفة الشيعية. ينظر إلى كسروان أو جبيل أو جزين فيراها مطوبة للطائفة المارونية. وفي المنظار نفسه، ينظر إلى بيروت أو طربلس وعكار وحتى البقاعين الغربي والأوسط سنياً. يبحث عن مرقد عنزة للزعامة الدرزية، فلا يرى إلا الشوف وعاليه.
مبتغى وليد جنبلاط هذا لا يتحقق من خلال «الأرثوذكسي»، وإن أعطي كل النواب الدروز، إنما يتحقق من خلال تطويبه زعيما للجبل الجنوبي ويكون له وحده حق اختيار معظم نواب الشــوف وعاليه، بغض النظر عن طوائفهم.
الغاية الجنبلاطية تلك ليست حلماً يراود «البيك» وهو يتأمل، من المختارة، جمال «الجبل الدرزي»، إنما هي واقع سياسي استطاع أن يكرسه في القوانين الانتخابية التي أعقبت اتفاق الطائف، وآخرها «قانون الدوحة». أما وقد بدأ يشتم رائحة «مؤامرة» تسعى لتجريده من هذا الحق الذي تحظى به كل الطوائف الباقية، فهذا ما جعله يتهيأ للمواجهة.
التطمينات التي يتلقاها جنبلاط وتحديداً من صديقه رئيس مجلس النواب نبيه بري تبدد بعض قلقه، إلا أنها لا تلغيه، خاصة عندما يرى كيف استطاع المسيحيون أن يفرضوا معادلة «صحة التمثيل» على حلفائهم. لا يقلل جنبلاط من أهمية هذا الحق، إلا أنه يدعو أيضاً إلى عدم اللعب بالتوازنات السياسية، التي تحفظ البلد.
انطلاقاً من هذه المعادلة، يبدو دور شهيب أقرب إلى دور مفكك الألغام، يواجه تعنت الأطراف المتنازعة بطروحات وسطية، وإن لا تبدو كذلك بالنسبة للآخرين. هنا، يبدأ شهيب برفع الصوت محذراً من أن التعنت لا مكان له في السياسة. يؤكد أنه «إذا لم يوجد فريق مستعد للتعاون وفريق مستعد للتواضع فإن الأمور لن تصل إلى بر الأمان».
ولأنه لم يفقد الأمل، فهو يعتمد على «العقل الراجح عند القيادات السياسية لإنتاج القانون الانتخابي». ولأن «الستين» انتهى، على حد قوله، و«الأرثوذكسي» كذلك، فهو يرى أن «لا حل إلا بالاتفاق». أما الحديث عن إمكان تمرير «الأرثوذكسي» فلا يقلق شهيب. يبدو واثقاً أنه حتى لو دعا بري إلى جلسة عامة، فإنه لا يمكن أن يعقدها «لأنه حريص على انتظام الدولة».