كتب رئيس تحرير إذاعة "لبنان الحرّ" أنطوان مراد:
بنديكتوس بعد مار نصرالله … ما أبلغ الصمت !
بعيداً من جدل " شهيد بسمنة وشهيد بزيت " ، وبعيداً من استغلال حادثة من هنا وذكرى حادثة من هناك ، بهدف " شقل" الشعبية المتهالكة وجعل السلاح طي النسيان .
بعيداً من النقاش حول وجود صاحب مكانة ٍ في غير مكانه ، وتصفيق " للقائد الأحد إلى الأبد" ما يذكّرني بعبارة جبران الشهيرة :" ويل لأمة تحسب المستبدَّ بطلاً " .
بعيداً من رؤيويات وزير الدفاع وتكتكاته على غصن القاعدة ، وبعيداً من بطولات "ديو المشاهير" المتمثل بجبران العصر ونقولا ال3G .
بعيداً من موضة قطع الطرقات ، كلما أسرّت " الوشواشة " الشغّالة حتى إشعار آخر في أذن مخبر له مونة على بعض " الهتّيفة والزعّيقة " غب الطلب .
وبعيداً من لوثة الأبلسة وغسل الأدمغة وعراضات الإصلاح .
إسمحوا لي أن أتوقف عند أمرين أولهما إعلان قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر نيّته الاستقالة آخر الشهر الحالي ، لأنوّه بهذه الخطوة ، بل الموقف التاريخي قياساً لما سبق في روزنامة القاتيكان .
نعم ، لقد فعلها جوزف راتزنغر ، هذا الألماني الصلب وأحد أوسع البابوات نفوذاً ، فهو كان الرجل القوي في ظل يوحنا بولس الثاني ، وكان ولا يزال حارس العقيدة والمحافظ الشديد المراس من خلف ابتسامته الودودة .
نعم لقد فعلها البابا ، بعد نيف وسنة على خطوة مماثلة أقدم عليها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بشجاعة وترفع .
يا له من زمن ويا لها من أمثولة !
كبيران ينكفئان طوعاً ، واحد أُعطِيَ مجد لبنان ، وآخر أعطي مجد كرسي الصخرة التي بنى عليها المسيح بيعته .
أما الأمر الثاني ، فهو المسار العجيب لقانون الانتخاب الذي ما زال يخضع لعمليات الزرع والتلقيح وتجارب الأنابيب ، والنتيجة تأجيل الحبل به ،لأن المطلوب قبل الحبل اتفاق مسبق على موعد الولادة .
ما أعرف أن سمير جعجع كان الأكثر انسجاماً مع نفسه وقناعاته وحرصه على حسن التمثيل وطنياً ومسيحياً . فتمايز في 14 آذار من دون التفريط بالتحالف . والتقى مع ميشال عون على رغم استمرار الخصومة السياسية .
وما أعرف أن سعد الحريري وبعض مسيحيي 14 آذار وبالطبع وليد جنبلاط ، لم يُجاروا سمير جعجع في رهانه على خرق حالة الاستنقاع والمراوحة القاتلة .
وما أعرف أن ميشال عون لم يلاقِ رئيس القوات فعلاً إلى حيث لا يجرؤ الآخرون ، بل استغل عنوان مشروع اللقاء الأورثوكسي للمناورة والاستهلاك ، معتمداً على حرفنة نبيه بري وتقية حزب الله الذي "يؤيد ولا يؤيد" .
وها هو سمير جعجع حتى الساعة يراهن على حسن النوايا بحثاً عن قانون انتخاب معقول ومقبول ، بينما بعض الآخرين كمن ينفث الدخان في الهواء تجاهلاً ، أو في العيون تعميةً ، وكأن الجميع ، تقريباً الجميع ، يرتضون ضمنياً بما قسَمه لهم قانون الستين ، و" ستين سنة " على انتخابات في موعدها وعلى مبدأ صحة التمثيل . ولما لا ؟
ألم يقل ميشال عون منذ فترة : " وشو رح يصير إذا ما صارت الانتخابات ؟ كلو بيكمّل عادي" ! … إنو عادي .. شباب … بس بلا مشاوي !
أخيراً ، ما أبلغ الصمت وما أسماه !
وإذا كان من أكثرية صامتة لم يخدعها التحريض والمزايدات ، فالتحية لها .
قديماً اتُّهم الرئيس فؤاد شهاب بالصمت ، وبعده الرئيس الياس سركيس . كما وُصف الجيش اللبناني ، قبل ميشال عون ، بالصامت الكبر . وقيل إذا كان الكلام من فضة ، فالسكوت من ذهب .
والصمت بالصمت يُذكر .
ولذلك لدي تحيتان على مسؤوليتي :
+ تحية للبطريرك الدائم نصرالله صفير ، الصامت غير الساكت ، الذي لا نحتاج الإنصات له كي نسمع صمته المدوي . هي تحية لمن رفض ، وعلى رغم الضغوط والرسائل على أشكالها، أن يمنح صكوك الغفران وبراءات الذمة لمن كان يمسك بمفاصل لبنان و"يخلّعها " في أوج وصايته وهيمنته .
+ التحية الثانية لوالدة الشهيد الطيار سامر حنا ، التي أعرف جيداً ما تشعر به كلما استذكر أحدهم ولدها ، وما تشعر به من غصة وألم ، عندما تذكِّرها مشاهد قطع الطرقات والملاحقات بعد استشهاد ضابط وجندي في عرسال ، بأن قاتل ابنها ما زال حراً طليقاً !
ودعوني أقول ، لولا " العيب والحيا " ، لكان بعض التمنيات يصل إلى حد الدعوة إلى الصلاة لسامر حنا في ذكراه بين " أربعة حيطان ". والسلام .