على خلفية نشر صور مسيئة للإسلام؛ تحوّلت تظاهرة احتجاج أمام القنصلية الدانماركية في الأشرفية، دعت إليها "الحملة اللبنانية لمواجهة الإساءات الدانماركية"، في 5 شباط 2006، إلى أعمال شغب وتخريب، وتصرفات لا تمت إلى الإسلام بصلة.
بادرت كل القوى الإسلامية التي شاركت في التظاهرة إلى التبرؤ مما حصل، وأعلنت دار الفتوى أنها لم تكن وراء تنظيم التظاهرة، ولم تدعُ إليها، لكنها تدين ما حصل، واتخذ المجلس الإسلامي الشرعي صفة الادعاء الشخصي ضد مثيري الشغب تخطيطاً وتنفيذاً، فيما أصدرت "الحملة اللبنانية لمواجهة الإساءات الدانماركية" بياناً أكدت فيه أنها إطار تنسيقي لا يتبع أية جهة.
في مجلس الوزراء (حكومة الرئيس فؤاد السنيورة) سيطرت مشاعر الصدمة، وأكدت المقررات الإسراع في التحقيقات لتحديد التقصير الأمني، وطلب "تحديد المسؤوليات المخابراتية الخارجية" بما جرى، بينما بادر ثلاثة وزراء مسيحيون (الشهيد بيار الجميل- نايلة معوض- جو سركيس) إلى اتهام النظام السوري، والمطالبة برفع شكوى لبنانية إلى مجلس الأمن الدولي، انطلاقاً من الهويات الأجنبية للموقوفين (بينهم عشرات السوريين والفلسطينيين).
وقطعاً للطريق على أي استغلال سياسي، وصف الرئيس السنيورة الخامس من شباط باليوم الحزين، وبادر بالاتصال أو زيارة المرجعيات الدينية المسيحية، لا سيما البطريرك نصر الله صفير والمطرانان بولس مطر والياس عودة، كما ترأس اجتماعاً لمجلس الأمن المركزي، فيما اعتبر الرئيس سعد الحريري من باريس أن "ما حصل إساءة كبيرة إلى المسلمين قبل المسيحيين"، وأصدرت قوى "14 آذار" بياناً اعتبرت فيه أن "التخريب الذي حصل في بيروت كان قراراً سورياً متعمداً وتنفيذاً لسياسة وعدنا بها حكم المخابرات وعملاؤه".
سبع سنين مرت على هذا اليوم الحزين، من دون أن يتعب الناكئون للجراح من إحياء الذكرى، لا للاعتبار، وإنما للفتنة والاستغلال السياسي. وفي هذا العام بلغ الأمر مداه، متخذاً ركنين؛ تزوير الحقائق، والتجييش الطائفي.
[ أولاً: في سنوات سابقة استحضر "حزب الله" والتيار العوني يوم الخامس من شباط من باب التخويف من الإسلاميين السنّة، وإظهار الحرص على الشارع المسيحي، ومع أن ذلك ليس قليلاً أبداً-لا في أخلاقيات السياسة ولا في موجبات العيش المشترك- إلا أن ما ميّز دعاية هذا العام إقحام تيار "المستقبل" في الموضوع، علماً أن التيار لم يكن جزءاً من الاحتجاجات على الرسوم الدانماركية يومها، في أي من المناطق اللبنانية، كما أن أحداً بما في ذلك العونيون أو "حزب الله"- لم يتهم التيار بالضلوع في ذلك، بل العكس هو الصحيح إذ اعتَبر "المستقبل" نفسه مستهدفاً، حتى لو كان ثمة إسلاميون تورطوا في ما جرى، فيما كان عتب الإسلاميين على دار الفتوى و"التيار" كبيراً بعد حملة التوقيفات التي جرت بالجملة فطالت متورطين، كما طالت أبرياء ظلوا موقوفين لأشهر أو سنوات بعد ذلك، قبل أن تُعلن براءتهم!
[ ثانياً: لم تقصّر الحكومة اللبنانية في واجباتها عقب الحادثة. اعتبر وزير الداخلية نفسه مسؤولاً عن التقصير الأمني الذي حصل فاستقال بشجاعة. الوزراء المسيحيون قالوا ما يلزم عن الأشرفية وضرورة طمأنة أهلها. باشرت الأجهزة الأمنية والقضائية عملها، فدققت في الأشرطة المصورة، ولاحقت ودهمت واعتقلت أكثر من 400 شخص. الأهم أن أحداً من القوى السياسية، بما في ذلك الإسلاميون، لم يبرر ما حصل، ولم يضع غطاءً سياسياً على أي متورط علماً أن عدداً لا بأس به من الموقوفين تبين لاحقاً أن لا علاقة له بالأحداث؛ إما لأنه كان يحاول ردع الغاضبين فظهر في الأشرطة المصورة كأنه مشارك، وإما للاشتباه به من دون بينة متينة-، بينما كان الحرص واضحاً لدى قوى 14 آذار، وتحديداً "تيار المستقبل"، على بلسمة الجراح وتأكيد "الوحدة الوطنية في مواجهة الفتنة".
[ ثالثاً: أثبتت التحقيقات وجود مندسين في التظاهرة، بهدف حرفها عن مسارها وإحداث فتنة بين اللبنانيين (أبلغت "الجماعة الإسلامية" وزارة الداخلية معلومات محددة في هذا الإطار قبل ساعات من انطلاق التظاهرة)، وأن شخصاً مقرباً من ماجد حمدان (شقيق مصطفى حمدان) كان يحرّض المتظاهرين، إضافة إلى مندسين سوريين وفلسطينيين كانوا يعملون مع العقيد جامع جامع، وأن "الأحباش" كانت لهم إسهاماتهم أيضاً وأن أحد الموقوفين اعترف بذلك (أعلن الوزير أحمد فتفت هذه المعلومات في 12/2/2006)، وأن أحد المندسين كفّر المفتي قباني و"من عينه" (الواقعة رواها المفتي نفسه على الهواء مباشرة، معلقاً أنه يقصد "الأحباش وغيرهم" 8/2/2006)، وفي كل الأحوال فإن القوى الإسلامية المؤيدة للنظام السوري كانت في طليعة القوى التي دعت وشاركت في التظاهرة، وتالياً هي مسؤولة بشكل أو بآخر عما جرى (جرى اعتداء مشابه على السفارة الدانماركية في دمشق قبل ساعات من الاعتداء عليها في بيروت، واعتداء بالقنابل الحارقة على السفارة إياها في طهران في اليوم التالي).
لنفترض جدلاً الآن أن النظام السوري وحلفاءه براء مما جرى في ذلك اليوم، فهل يغير هذا المعطى من حقيقة أن ما جرى كان جرحاً وفتنة؟ هل ثمة من اعتبر في لبنان الخامس من شباط يوماً مجيداً؟! وإذا كان الجواب كما هو في الواقع كذلك- أن أحداً لم يمجّد ما حصل في ذلك اليوم الحزين؛ فما الداعي إذاً الى نكء الجراح وإحياء ذكريات الفتن؟!. في العادة؛ فإن الأمم تحيي أيامها المجيدة، وتحصر أيام الفتن في خانة الاعتبار أو حتى تطمس ذكراها نهائياً، أما أن يحيي تيار "وطني" ذكرى أقل ما يقال فيها انها خدشت العيش المشترك، وقدّمت صورة سلبية عن المسلمين، فهذا يعني أن ثمة من يريد استغلال جراح الناس، وتجييشهم لخدمة مشروعه السياسي، غير آبهٍ بخطورة ما يفعل على صعيد العقد الاجتماعي اللبناني الهش.
في تعليقه على ما جرى في 5 شباط، وفي معرض نفي الاتهامات عن حزبه أو القوى المؤيدة للنظام السوري؛ نصح السيد حسن نصر الله السياسيين والإعلاميين الانتباه الى خطابهم بغية "محاصرة الجو الطائفي وحماية البلد"، داعياً إلى "محاصرة ما جرى وإنهائه وعدم استغلال ذلك سياسياً"… ترى متى يلتزم أتباعه وحلفاؤه العونيون بهذه النصيحة؛ فيكفوا عن نكء الجراح وإثارة العصبيات؟!