#dfp #adsense

«سين سين»

حجم الخط

لا أحد يمكن أن يتصوّر 14 آذار من دون سعد الحريري أو سمير جعجع. وهذا الجزم مردّه إلى أنّ أيّ فكرة ميثاقية تتطلب رافعتين مسيحية وإسلامية لتحقيقها، ومن دونهما تصبح ترجمة هذه الفكرة متعذّرة كي لا نقول مستحيلة، لأنّ دورهما يكمن في مواجهة القوى والتيارات داخل طوائفهما التي تريد الانقلاب على هذه الفكرة، فضلاً عن عملهما المطلوب بديهيّاً بغية ترسيخها وجعلها معيوشة وقابلة للحياة.

وفي موازاة الركيزتين الطائفيتين العابرتين للطوائف بخطابيهما الوطني، فإنّ الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الحركة الاستقلالية تمثّل بعدم إنشائها إطاراً سياسيّا يعبّر عن لحظة 14 آذار، ويكون الابن الشرعيّ لهذه اللحظة، ووظيفته ليست بالتأكيد منافسة المكوّنين الحزبيين، إنّما تشكيلها قوّة ضغط شعبية لجعلهما على صورتها، وبالتالي الانتقال تدريجاً من مكوّنات منفصلة إلى جبهة سياسية موحّدة.

والتركيز على هذا الثنائي لا يعني إطلاقا التقليل من أهمية دور أيّ مكوّن آخر أكان اسمه حزب الكتائب الذي له تاريخه وتضحياته الوطنية، ولكن سجّل تمايزا في رؤيته وهذا حقّه، أو الشخصيات المستقلة التي تعبّر عن غنى الحركة الاستقلالية لجهة تنوّع قواها وتعدّدها، ولكنّها غير قادرة وحدها على مواجهة التيار المسيحي الملتصق بالمحور الإيراني.

ومن هنا كان الرهان وما زال على "السين السين" ليس فقط من أجل تحقيق أهداف انتفاضة الاستقلال وفي طليعتها "العبور إلى الدولة"، إنّما بغية العبور بالجماعات إلى الدولة المدنية التي وحدها تشكّل الخلاص للمسيحيّين والمسلمين معاً بتقديمهما تجربة تشاركية جديدة.

فسعد الحريري وسمير جعجع لم يختزلا فكرة 14 آذار، هذه الفكرة غير قابلة أصلاً للاختزال كونها تتسع لكلّ لبناني مؤمن بأنّ ما يجمعه مع الآخر ليس مذهبه وطائفته، إنّما نظرته ورؤيته إلى لبنان. ولكن أهمّية هذا الثنائي أنّه نجح في تجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع طوال السنوات المنصرمة، وبالتالي الحاجة لتجاوز اللحظة الانتخابية والعودة إلى لحظة الاستقلال الثاني.

وعلى رغم الخسارة التي مُني بها الجسم الاستقلالي مع خروج النائب وليد جنبلاط وطائفته معه نتيجة الظروف المعلومة، إلّا أنّ الرهان بقي على "السين السين" لاستمرار تحالف 14 آذار كجسم سياسي وأهداف وطنية، في ظلّ الأمل بأن يتوسع مجدّدا بالاتجاهين الدرزي والشيعي.

ومن هذا المنطلق لا يفترض استسهال أيّ انفصال سياسي. وقد تصحّ كلمات الأغنية الفيروزية في أيّ زمان ومكان: "رح من كمل بلّي بقيو"، ولكنّ استمراريةً عن أخرى تختلف في الشكل والمضمون والفعالية، وبالتالي المسؤولية كبيرة في الحفاظ على هذا التحالف الذي من دونه سيغرق المركب بالجميع، ومن الخطأ الاعتقاد أنّ أحداً سينجو.

إنهيار 14 آذار لا يعني فقط خسارة الأكثرية ومنح 8 آذار مفاتيح السلطة ديموقراطيّا، إنما يعني عودة الفرز السياسي على أساس طائفي، وبمعنى آخر نهاية البلد. ولا يحتاج المتابع إلى كثير عناء ليكتشف عودة العصبيات الطائفية مؤخّراً إلى داخل كلّ طائفة.

فالاستهداف المبرمج للطائفة السنّية من اغتيال الشهيد رفيق الحريري إلى وسام الحسن وما بينهما إخراجها عنوة من السلطة هدفه عسكرتها تحت عنوان الدفاع عن الذات، لأنّ العسكرة وحدها تبرّر تمسّك "حزب الله" بسلاحه، وتجعل المسيحيين إمّا يلجؤون إلى السلاح أو إلى الاحتماء بسلاح شيعي أو سنّي، ما يقضي نهائيّا على أيّ إمكانية لقيام دولة في لبنان، ويخدم المشروع السوري-الإيراني الذي يريد إبقاء هذا البلد ورقة من أوراقه.

وبمعزل عن الاعتبارات التي دفعت الطرف المسيحي إلى تبنّي الأرثوذكسي، ولكن ما تجدر ملاحظته أنّه منذ تلك اللحظة تراجعت المناعة الوطنية مقابل ارتفاع منسوب العصبية الطائفية وخصوصاً المسيحية داخل البيئة الاستقلالية، في الوقت الذي لم تتبدّل فيه المعطيات السيادية بين عامي 2005 واليوم.

وما يجدر تسجيله في هذا المجال أنّ العصبيات مطلوبة، إنّما في السياق الوطني لا الطائفي، وأنّ العصبية المسيحية في عزّ أيّام الحرب الأهلية كانت دفاعاً عن فكرة لبنان، وليس عن مكتسبات مسيحيّة داخل السلطة.

تصادف غداً الذكرى السنوية الثامنة لاستشهاد رفيق الحريري. هذه الذكرى التي أسّست لكلّ المرحلة التي تلتها. فدماء الحريري هي التي أوصلت للاستقلال الثاني، ومن دونها كان قدر اللبنانيين البقاء طوائف مستقلّة عن بعضها البعض داخل البلد المهيمَن عليه من قبل المحور السوري-الإيراني.

والأمل أن تشكّل الذكرى الثامنة مناسبة لإحياء روح 14 آذار، وتجديد الانتساب إلى فكرة لبنان، وعودة "السين السين" إلى سابق عهدها كضمانة للسيادة الوطنية والشراكة المسيحية-الإسلامية وتنفيذ اتّفاق الطائف، والمدخل لتجاوز الطائفية إلى المواطنية التي لا أمل خارجها بلبنان المستقبل.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل