لم يفاجئني الرئيس سعد الحريري عندما أعلن صراحة تأييده الزواج المدني الاختياري ورفض تكفير كل مسؤول مسلم يوافق عيه .
لكن ما فاجأني هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما التقيته لأول مرة في صالون الصرح البطريركي في بكركي في العام 1991 ، إذ وصلت مع زميل لزيارة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ، وكان غبطته يدردش على الواقف وبود واضح ، مع رجل الاعمال آنذاك رفيق الحريري الذي كان على وشك المغادرة ، فتبادلنا السلام والكلام الذي تحوّل سريعاً إلى مزاح مهذب . وقد بدا لي رجلاً منفتحاً سهل المعشر حاضر البديهة على أناقة ، وليس الرجل الذي صوّره البعض وكأنه شيخ سعودي أصولي .
ربما ثمة من يقول إن رفيق الحريري كان أميراً خليجياً بالسموكنغ ، لكن التجربة أثبتت أنه ليس على هذا النحو .
لقد كان مؤمناً بالدولة المدنية ، وحوّل قريطم إلى صالون مفتوح يلتقي فيه المسيحيون والمسلمون بالكرافات أو "سبور" ومن دون قفازات ، وليس إلى خيمة أو مربع داكن تسوده الوجوه المقطّبة واللحى وتغيب الكرافات ، تيمناً بالقاعدة التي أرساها الملالي في إيران وانسحبت على حزب الله .
وللتذكير ، فإن من أطلق ظاهرة الامتناع عن عقد الكرافات ، لأنها مظهر غربي ، كان الرئيس الإيراني السابق "أبو الحسن بني صدر" ، والذي لسخرية القدر ، أصبح بعد حين مغضوباً عليه فلجأ منفياً إلى أوروبا .
أمس كنت اتابع وثائقياً فرنسياً عن رفيق الحريري ، عرض لقطات لعدد من لقاءاته مع كبار قادة العالم ، من يوحنا بولس الثاني وجورج بوش الإبن وطوني بلير إلى فلاديمير بوتين وبالتأكيد جاك شيراك ، حيث كان يحادثهم بالفرنسية أو الإنكليزية ، ويقبّل يد مدام شيراك ، كما لفتني الذين تحدثوا في الوثائقي من أصدقائه المثقفين ، وفي مقدمهم مروان حماده والوزير السابق غسان سلامه .
قد يعتبر البعض أن رفيق الحريري كان صاحب مشروع هيمنة واستحواذ ، وأنه سعى إلى احتواء مسيحيي بيروت انتخابياً ، وحاول السيطرة على مقدرات البلد ،وأنه ساير النظام السوري كثيراً لإمرار مشروعه .
وقد يصح شيء من هذا الكلام ، فأهل السياسة في الغالب يتشابهون . لكن الصحيح أيضاً أن رفيق الحريري تدرّج صعوداً في إثبات لبنانيته ، وقال لا لبشار الأسد الذي هدده في آخر لقاء بينهما لم يدم أكثر من عشر دقائق بتدمير لبنان فوق رأسه ورأس كل من يعارض التمديد لإميل لحود .
وكانت أول خطوة تنفيذية بمحاولة اغتيال مروان حماده ، والثانية باغتيال رفيق الحريري نفسه في 14 شباط .
لقد وضع استشهاد رفيق الحريري ومعه باسل فليحان وسائر رفاقهما ، خطاً فاصلاً بين ما سبق وما لحق ، وأطلق مسيرة الاستقلال الثاني .
لكن المفارقة أن ثمة أطرافاً لا يعنيها لبنان السيد الحر المتنوع ، لأنها تلتقي على شبكة مصالح تبدأ بخدمة ولاية الفقيه ودعم النظام السوري ، وصولاً إلى صفقات الكهرباء والمازوت والمناصب الوزارية والتعيينات .
نفهم أن السياسة لا تعترف غالباً بالخلقيات والمثاليات و"الإتيك والإتيكات " ، وأن المصالح والحسابات الخاصة هي الغالبة ، لكن ما لا نفهم أن تبلغ تلك الأطراف بفجورها ولؤمها حدّ النفاق الفاضح ، لدرجة تكاد تحوّل شهداء ثورة الأرز إلى قتلة ، بل إلى قتلة أنفسهم .
فهل من يدلّنا على شهيد واحد سقط ل8 آذار ، وهذا ما لا نتمناه .
ويقيناً ، لو نجحت محاولات آلة القتل في الغدر بجميع رموز 14 آذار الذين استهدفتهم ، لما بقي أحد من تلك الرموز !
في أي حال ، ليت هناك من يكشف لنا ولو خيطاً رفيعاً في قضية اغتيال إيلي جبيقة ، لنعرف ويعرف أهله ومحبوه من اغتاله فعلاً ولماذا .
لكن ما نعلم أن حبيقة كان يعرف الكثير من الأسرار التي قد تورِّط النظام السوري . وما نعلمه ان غازي كنعان حضر للتعزية به وهو يقود سيارته بكل اطمئنان مع قلة قليلة من المرافقين ، قبل ان " يُنتَحَر" بدوره لأنه كان يعرف أيضاً الكثير من الأسرار !
يا لهول الحقيقة عندما تتجلى عارية صارخة !
المجد للشهداء الأبرار . عاش لبنان .
