#adsense

التشخيص…

حجم الخط

ألف باء العلاج الناجح هو التشخيص الصحيح للمرض. والمعادلة المألوفة في عالم الطب، تسري في واقع الحال في عالم السياسة كما في سائر الشؤون الكبيرة والصغيرة، التافهة والخطيرة. وفي الملمّات وأوقات الضنى والقلق والانتظار، كما في الشأن الوطني العام ورديفه الشأن الخاص.

العيش في الأوهام، جملة ناقصة وفيها تناقض كبير. لا يركب الوهم إلاّ في عالم افتراضي لا علاقة له بواقع الدنيا… يركب في عوالم الشعر وسمفونيات الخيال الموسيقي والسينما أكثر من غيره، لكنها عوالم تؤدي في آخرتها، إلى التحايل على الواقع اليومي والمُعاش، وتأخذ الناس إلى افتراضات جميلة للتعويض عن حقائقهم البشعة، وتلعب دور حقن التخدير للتخفيف، أو إطفاء الأوجاع الملموسة والمؤلمة.

اللغة السياسية اللبنانية المشتعلة منذ ثماني سنوات، مكسورة في أحد جناحيها. وفي ميزانها خلل كبير وخطير: طرف يعمل لإحياء الدولة المدنية وآخر يعمل لوأدها من أجل الدويلة العسكرية. طرف يقول بالسلم الأهلي وآخر ينضح بلغة التخوين والتفكيك وأدبيات ودربكات الحروب. طرف يرفض ازدواجية السلاح والقرار، وطرف لا يعمل إلاّ على ترسيخ تلك الازدواجية. طرف يطلب العدالة، وطرف يمعن في التحدّي وتغليب الجور والظلم. طرف يقول إنّ المشتركات أكبر من المنغّصات والمفرّقات، وطرف لا يكلّ ولا يملّ من إبراز كل دواعي وأسباب الشرذمة والتفتيت. طرف يحذّر من الفتنة ويرفضها، وطرف يحذّر أيضاً من تلك الفتنة لكنه يفعل كل شيء لإشعالها واعياً أو غاشياً لا فرق! طرف يقبل الآخر كما هو ويبحث عن مساحة لقاء، وطرف ينفي الآخر ويبحث عن منصّات للإلغاء، وبكل الطرق والأساليب والوسائل ومن دون أي سقف! طرف يرى الحوار سبيلاً وحيداً، لا ثاني ولا ثالث ولا رابع ولا عاشر له لجسر الفوارق السياسية وردم الفجوات الفاصلة بين الناس، وطرف لا يرى الحوار إلاّ سبيلاً لتأكيد بقاء تلك الفواصل والخلافات في مكانها الصلب، كما للبقاء عند حاله ومواقفه ومشروعه وسلاحه!

كان الخلل في ذلك الميزان الادائي النظري في السياسة والإعلام، رديفاً للخلل الخطير القائم على الأرض بين مَن يحمل السلاح ومَن لا يحمله. ومَن يحتكم إليه ومَن يحتكم إلى الشرعية. ومَن يضعه دائماً في مقدم جدول الأعمال الجلي والمستور، ومَن يحتكم دائماً وأبداً إلى أدبيات الممارسة الديموقراطية تحت سقف التوافق وفي كل شاردة وواردة.

ذلك الخلل أنتج عالماً لبنانياً مأزوماً حتى النخاع… كل تفصيل سياسي أو فكري، عابر أو مصيري، تافه أو أساسي، كان ولاّد مشكلة عويصة وكبيرة، حتى انعدمت أو تكاد، كل آمال التسوية باعتبارها شرطاً موجباً وحتمياً للحياة اللبنانية بكل أبعادها السياسية والطائفية والمذهبية والاجتماعية… ووقف الجميع أمام باب الفرن الفتنوي بانتظار "اللحظة المناسبة" للدخول إليه، بعدما اكتمل بناؤه وعلا وِجاره واستعرت جمراته!

… في مكان ما، كان كلام الرئيس سعد الحريري بالأمس، كسراً لكل ذلك المسار المضني: تشخيص الواقع اللبناني كما هو من دون رتوش ولا حُقن مخدّرة ولا عموميات، هو الخطوة المركزية الأولى نحو بدء المعالجة، أو التفتيش عن العلاج… والتسوية الناجحة بهذا المعنى هي صنو الوضوح والنتيجة الحتمية لـ"الحروب" غير الحاسمة… وواهم بالجملة والمفرّق مَن لا يرى أنّ اللبنانيين في هذه المرحلة يعيشون في ذروة تشظّيهم وان حربهم "الباردة" وصلت إلى مرحلة الذوبان السلبي، أي إلى مرحلة الدخول إلى ذلك الفرن الفتنوي الوقّاد!

آن الأوان لأن ينتبه "حزب الله" أخيراً، إلى المدى الذي أوصل إليه لبنان واللبنانيين، وإلى النقطة التي وصلت إليها أزمة الاجتماع الإسلامي خصوصاً والاجتماع اللبناني عموماً. وآن له أن يخرج من لغته الخاصة ومشروعه الاستحواذي إلى لغة وطنية عامة ومشروع الدولة الجامعة المكتملة والواحدة المقتدرة… وآن له، في مكان ما، أن ينتبه، إلى أنّ الحروب في الإجمال، لا تندلع إلاّ بين فريقين، كل فريق يعتقد بأنّه مُحقّ، في حين أنّ التسوية النبيلة والدائمة لا تعني إلاّ تنازل كل "مُحقّ" عن جزء من "حقّه".. وقبل ذلك رؤية الآخر كما هو، وليس العمل على إلغائه ومحوه واعتباره غير موجود ثم استمراء العيش في عالم الوهم القتّال!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل