بعض الناس يذهب الحزن عليهم معهم، والبعض الآخر يستمر لأجيال وأجيال.
والخلود ليس للحزن بذاته، بل للنهج والخصائص والمميزات وسواها من القيم والظواهر التي تذكر الناس بصاحبها، وترسخه في وجدانهم والأذهان.
والرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي ما مشى اللبنانيون بجنازة في حجم جنازته بتاريخهم المنظور، كبير اغتاله الصغار، هو بقي حيّاً في ضمائر أصحاب الضمائر من اللبنانيين، حي بأعماله وأعماره، بوطنيته الصادقة وعروبته الواعية، واسلامه المتنوّر، وهم بين ميت، أو في طريق الموت، الجسدي منه والسياسي… في ذكرى اغتياله الثامنة، وبمراجعة لما كان ولما صار، يتبيّن ان العدالة الإلهية لم توفّر الكثيرين، ممن غمسوا أيديهم بدماء كبير شهداء الاستقلال اللبناني الثاني ورفاقه، بعضهم قضى وبعضهم الآخر تحت مقصلة القضاء والقدر.
أفرادا كانوا أم جماعات، أو دولا، تصوّروا ان الرجل كأي رجل يمكن ان ينتهي ذكره مع شكر ذويه على من عزى به. الرئيس الشهيد كان يدرك قدر نفسه، لذلك عندما قيل له غادر لبنان، قبل ان يغدروا بك، أجاب: لن يجرؤوا… لكنهم تجرأوا! انهم لم يدركوا ماهية الرجل، وحجمه ووزنه العربي والدولي قبل اللبناني… فكان عليهم ان يدفعوا الثمن…
البعض أحيل على المحكمة الدولية، التي لم تُنشأ يوماً للنظر بقضية اغتيال شخص فرد، المحكمة الدولية تحاكم عادة شخصاً أو مجموعة أشخاص، اياً كانت مرتبتهم، لارتكابهم جرائم جماعية، وليس لمحاكمة جماعة قتلت شخصا واحداً، أو مجموعة أشخاص في كنفه.
وهذا يعني ان رفيق الحريري لم يكن مجرّد شخص، كان مشروعا وقضية، كان رجلاً استثنائياً في تاريخ لبنان، بل في التاريخ العربي المعاصر.
والبعض الآخر أحيل الى قدره، أكان رجلاً أم نظاماً، واعتبروا يا أولي الألباب.
ولماذا الذكرى لرفيق الحريري من دون غيره من الشهداء السابقين، قادة، وسياسيين على درب الشهادة؟ سؤال يطرحه البعض ممن فقدوا ملكية المنطق الوطني والحسّ السليم… والجواب هو لأن الرجل الظاهرة، كان رجل دولة ووطن، شكّل بشخصه مشروع تحرير لبنان من وصاية جائرة فرضت عليه، معطوفاً على مشروع إعماره، والواقع يثبت ان في لبنان، أثرياء تتخطّى أرصدتهم الخارجية الحجم المالي لرفيق الحريري، لكن أحداً من هؤلاء لم يحاول ان يكون نصف رفيق الحريري أو ربعه، حتى ان بعضهم ان زار لبنان فسائحا وعلى حساب الدولة اللبنانية.
الرجل الذي حمل المقاومة الى الأمم المتحدة عام ١٩٩٦، في أعقاب العدوان الاسرائيلي الشهير، وحماها في المحافل الدولية، وأدخل روسيا في مؤتمر الدول الاسلامية وجعل من لبنان الصغير كوكباً في حدقات العيون، ومفخرة لكل بنيه، مقيمين ومغتربين، وسوّق للنظام السوري، في الغرب والشرق، حتى وصفه البعض يوماً برئيس وزراء لبنان ووزير خارجية سوريا، ان من يقوم بهذه المهمات ويحمل هذه الصفات، يستحق الاستثناء الوطني الذي يخصّ به، في ذكرى انتقاله الى الرفيق الأعلى.
لقد دخل رفيق الحريري تاريخ لبنان، بعناوينه العريضة، هو لم يكن أول شهيد ولا آخر شهيد، على هذه الأرض المعذّبة، لكن لا أحد يمكن ان ينسى ان بدمائه ودماء من سقطوا معه في ١٤ شباط ٢٠٠٥، كتب للبنان استقلاله الثاني.
أما الذين كابروا وتكبّروا على الحقيقة والعدالة، الأهلية منها والدولية، فقد بلغوا بعد ثماني سنوات من اللفّ والدوران والهروب الى الأمام، خطّ النهاية، أو انهم على مشارفه هؤلاء فتحوا باغتيال رفيق الحريري باباً استحال عليهم اغلاقه، ولم يدركوا ان بوسع العصفور مواجهة النسر اذا آمن بنفسه، فكيف اذا كان العصفور صقراً وخلفه أسراب تتحرّك على إيقاعه؟