كتبت صحيفة "الراي" الكويتية:
بدا الوضع الداخلي في لبنان متجهاً نحو انسداد سياسي غير مسبوق في عزّ تصاعُد المحاولات الآيلة الى ايجاد مخرج لمأزق قانون الانتخاب تحت وطأة السباق مع المهلة الدستورية التي لا تبقي سوى أقل من ثلاثة أسابيع لتوجيه الدعوة الرسمية الى الهيئات الناخبة في 9 اذار المقبل مبدئياً، أي قبل ثلاثة اشهر من موعد الانتخابات في 9 حزيران.
ولم تقتصر ملامح التأزيم الجديدة التي طرأت في الساعات الثماني والاربعين الماضية على فشل اللجنة النيابية المصغرة في الخروج بصيغة توافقية لقانون انتخاب يمزج نظاميْ الاقتراع الاكثري والنسبي فحسب، بل تعدّت هذا الفشل الى الاصداء الواسعة التي اثارها سجال حاد مباشر بين الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري وتيار «المستقبل» على خلفية الخطاب الذي ألقاه نصرالله بعد ظهر السبت وردّ فيه على خطاب الحريري في ذكرى 14 فبراير.
وإذ جاء فشل اللجنة النيابية متزامناً مع تصاعُد السجال، امكن للمراقبين تلمس حدة المأزق المتصل بموضوع قانون الانتخاب من خلال عودة الأفرقاء السياسيين الى التمترس خلف مواقف حادة من الملف الانتخابي بعدما سقطت محاولة اللجنة النيابية في وضع مشروع توافقي، رغم ان المداولات في اليوم الاخير من مهمتها اول من امس شهدت تقدماً في توغل النقاش حول الصيغة المركبة ولكن من دون ان يرقى هذا التقدم الى مستوى التوافق على حصة الاكثري والنسبي في هذه الصيغة.
وكشفت مصادر نيابية واسعة الاطلاع شاركت في جلسات اللجنة النيابية المصغرة لـ«الراي» ان الوقت دهم أعضاء اللجنة بعد ساعات طويلة مضنية من المداولات بدت معها المعادلة واضحة وهي ان تسليم الجميع بصيغة مختلطة لم يكن وحده كافياً لتذليل التباينات العميقة بين مختلف الافرقاء حول توزيع النسب، وهو ما يشكل عاملاً تفصيلياً حاسماً في تقرير حجم الحصص والاحجام التمثيلية لكل من هذه القوى من جهة وكذلك لرسم صورة افتراضية لميزان القوى المحتمل بين اطراف 8 آذار و14 آذار والوسطيين.
ولفتت هذه المصادر الى ان ما يثير الغموض الكبير هو ان غالبية القوى المشاركة في اجتماعات اللجان، باستثناء تكتل العماد ميشال عون انخرطت انخراطاً حماسياً وحاراً في البحث عن صيغة مختلطة، ما دلل على رغبتها في التوصل الى حل توافقي، في حين ابدى «التكتل» برودة لافتة في عدم طرح اي تصور مختلط متشبثاً بمشروع «اللقاء الارثوذكسي» (يقوم على ان ينتخب كل مذهب نوابه). حتى ان الفريقين المسيحيين في قوى 14 آذار اي الكتائب و«القوات اللبنانية» وكذلك «تيار المستقبل» أظهروا رغبة ثابتة وقوية في التوصل الى صيغة مركبة بما يلاقي رغبة كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه النائب وليد جنبلاط.
واذ اصطدمت المحاولة بتعذر التوصل الى ارضية مشتركة لتوزيع النسب بين الاكثري والنسبي، فان هذه الحصيلة يمكن البناء عليها وتثبيتها ولو ان ملف قانون الانتخاب سينتقل اليوم الى اللجان النيابية المشتركة التي ستضع يدها عليه في جلسات متعاقبة تمتد حتى الخميس بمعدل جلستين في اليوم. ولكن ما يثير مخاوف المصادر بإزاء احتمالات نجاح اللجان المشتركة حيث فشلت اللجنة المصغرة، هو عدم تلمس قرار سياسي كبير لدى بعض القوى النافذة في التوصل الى تسوية او مخرج، ما يطرح احد احتمالين لا ثالث لهما كما يُظهر الواقع حتى اليوم. فإما ان حظوظ التسوية ستظلّ مغيبة حتى اللحظة الاخيرة التي يمكن ان تطلّ عبرها مفاجأة معينة يتولى إخراجها بطبيعة الحال الرئيس بري بعد مشاورات سرية كثيفة مع مختلف القوى السياسية والكتل النيابية، وهو احتمال لا ترى المصادر حتى الآن ان ظروفه الموضوعية قد توافرت وإلا لكانت اللجنة المصغرة قد توصلت الى مسودّة حل تتولى اللجان النيابية لاحقاً تفصيلها وبلورتها وإقرارها. وإما ان ثمة «سيناريو» يراد عبره الدفع بالمأزق الى ذروته ليصبح معه تأجيل الانتخابات أمراً واقعاً مبرراً بتعذر حصول التوافق على قانون جديد باعتبار ان ثمة رفضاً واضحاً للمضي في انتخابات حتى على اساس القانون النافذ وهو «قانون الستين».