عندما سرت منذ فترة قصيرة في شارع الحمرا ببيروت، صُدِمت بعدد الأشخاص الذين يتكلّمون اللهجة السورية. صغار وكبار، مارّة وركّاب في السيارات، زبائن في المقاهي والمطاعم، مراهقون يتسكّعون في زوايا الأحياء، متسوِّقون في المتاجر الفخمة وآخرون يبحثون عن عروض جيدة، في ردهات الفنادق والشقق؛ في كل مكان، يُلاحظ وجود أشخاص يتكلّمون اللهجات السورية المختلفة. حتى المتسوّلون في بيروت بدأوا يبدون كأنهم من السوريين.
لا يمكنني أن أحدّد بدقّة ما هو عدد الأشخاص الذين ينتمون إلى الثلاثمئة ألف لاجئ سوري المسجّلين في لبنان، بين أولئك الذين التقيتهم في جولاتي اليومية. وليس أكيداً حتى إذا كانوا مسجّلين. بدوا كأنهم تأقلموا جيداً وهم ينصهرون مع النسيج اللبناني ونمط الحياة في البلاد.
كلمة لاجئ مثقلة بمعاني العذاب ووصمة العار. أتذكّر أنني هُجِّرت مع أسرتي في مراحل زمنية معيّنة خلال الحرب الأهلية اللبنانية. كانوا يسمّوننا سياحاً أو مهجَّرين موقتاً أو مهاجرين؛ لكن قصة اللاجئين مختلفة وتحمل ندوباً مختلفة، وتوجيهاً لأصابع الاتهام، والمتّهم الأول في هذه الحال هو نظام الأسد. أشعر بأن العدد الكبير من السوريين الذين التقيتهم يمثّل فقط المهاجرين الموقتين، وقد تكون أعدادهم كبيرة بقدر اللاجئين المسجّلين.
في لبنان الذي يتألف من أربعة ملايين نسمة، تولّد هذه الأعداد خللاً في التوازن على مختلف المستويات: السياسية والاقتصادية والجغرافية. والأكثر إثارة للقلق هو أن الحكومة اللبنانية لا تظهر أي مؤشّرات لادراكها خطورة الوضع. فهي لا تملك أية خطة، على حد علمنا، لمعالجة هذه الأزمة. فضلاً عن ذلك، تغرق في المهاترات حول من يحق له دخول لبنان ومن يُطرد منه.
أودّ أن أسدي النصيحة الآتية الى من له أذنان سامعتان: سوريا تمر في حرب أهلية. خلافاً لبلدان أخرى شهدت نزاعات مماثلة، كالعراق أو لبنان، ليست ثمة جهات واضحة تتولّى تسيير الأمور في سوريا. كما أن سنوات الاستقواء وخنق الحريات والاغتيالات تركت نظام الأسد معزولاً ومن دون أصدقاء. السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو أن يكسب الأسد وأنصاره الوقت، ويجعلوا النزاع يمتدّ أطول مدة ممكنة، ويزرعوا الفوضى والخراب في الجزء الأكبر من سوريا مع العمل على نشرهما إلى بلدان أخرى بمساعدة الموالين لهم.
يملك الأسد سجلاً حافلاً في التدمير الشامل، والقتل الجماعي وطرد الناس عشوائياً من منازلهم وقراهم وأراضيهم. قد يكون مفاجئاً للبعض أنه يفعل هذا في حق شعبه، لكن الحقيقة واضحة لكل من شهد على غضب الدبابات السورية، واستقواء الجنود السوريين، وقسوة المسؤولين عن الرجال والنساء السوريين في السجون وأماكن الاعتقال. لا يهم بالنسبة إلى الأسد إذا كان الشخص صديقاً أو خصماً، جاراً مسالماً أو عدواً. فإما أن تدعم نظام الأسد وتكيل له المدائح من دون قيد أو شرط، وإما ألا تفعل. وإذا كنت ضد الأسد، فأنت تواجه مصيراً محتوماً، وسجل النظام معروف في هذا المجال!
فيما يستمرّ المسؤولون اللبنانيون في توجيه أنواع الدعم لنظام الأسد، يواصل الأخير إرغام مواطنيه على التدفّق بأعداد كبيرة إلى لبنان ودول أخرى. لا أحد يعلم إلى أين سيذهب هؤلاء الأشخاص وماذا سيفعلون إذا لم يتحسّن الوضع في سوريا قريباً. تُظهر كل المؤشرات أننا أمام نزاع استنزافي طويل لن ينتهي قريباً، وعند انتهائه، لن تعود سوريا كما كانت من قبل.
إلى جانب الاضطرابات في سوريا، يتسبّب اللاجئون والنازحون بأزمة جديدة سوف تولّد مشكلات خطيرة لكل المعنيين. فلبنان بلد صغير جداً، وهش جداً، ومقسَّم سياسياً ومجزّأ مذهبياً بما يجعله عاجزاً عن تحمّل الأعباء المترتّبة على تدفّق السوريين. يجد بعض الزعماء الذين يملكون تعطّشاً غير مسبوق الى السلطة، أن الفرصة مؤاتية لعقد الصفقات والمساومات.
يقع على عاتق الحكومة اللبنانية إيجاد الحلول لصون حقوق مواطنيها ومصالحهم أولاً. لكن كل ما تفعله الآن، ويا للأسف، هو صب الزيت على النار بالاستمرار في إرضاء الرئيس السوري بمختلف الطرق الممكنة!