طمأننا السيد، في آخر ظهوراته، الى رهافة أخلاقية لديه جعلته "ينتفض" على قول الرئيس سعد الحريري، في الذكرى الثامنة لاستشهاد والده، إن حزب السيد قدم رشوة وزارية الى رئيس الحكومة الحالي (مقعد إضافي للسنة) مقابل عدم طرح مشكلة سلاحه.
لكن السيد لم يظهر، قبل ذلك، أي رهف يحفزه على أي توضيح، على الأقل، منذ "اكتشف" ربعه "الكبتاغون" الحلال، "واللحم الفاسد" الشرعي، و"الأدوية المزورة" المزكاة، والفرار المبارك بأموال الأيتام والأرامل الموعودين بأرباح مخمّسة، وغيرها من فضائح تلاحقت، في الفترة القصيرة الماضية، وهبّ "نسيمها" من مناطق نفوذ حزبه، ومن صفوف أشقاء قادته وأبنائهم. وبدل إظهار الحمية لصون صورة الحزب الأخلاقية، ظهرت الحمية في صون المرتكبين، فاستبدلت تهمة التزوير والغش في الأدوية، مثلا، الى تهمة "التلاعب ببيانات رسمية" بحجة التعجيل في إنهاء المعاملات الإدارية، مما يعد جنحة وليس جناية.
كذلك لم يظهر السيد غيرة على الحزب في اتهامات أوردها الخطاب نفسه، فلم يردّ عليها برغم فداحة استهدافاتها. منها الإشارة إلى رفعه (وغيره) "أعلام الطوائف والمذاهب"، و"أن سرايا المقاومة هي جهات حزبية ودينية وعشائرية وعائلية ومخابراتية، يزودها الحزب السلاح والمال"، وأنه "لا يستطيع أن يرى لبنان من دون المنظومة العسكرية والأمنية التي بنتها ايران"، وأنه "يرفض أن تكون الدولة هي المرجع لكل المواطنين"، و"أن هناك دويلة أقوى من الدولة".
هذا التشكيك في الوطنية لم يحرك لسان السيد. وحدها تهمة الرشوة فعلت فعلها، كأنها هي وحدها العار السياسي الذي يقلقه، ويستنفر حواسه. لكن الحقيقة في مكان آخر. فالسيد وجدها فرصة لتطمين الحليف وفتح جبهة على الخصم: فـتوزير فيصل كرامي كان للحيلولة "دون إقفال هذا البيت السياسي العريق" وفي ذلك ايحاء لتعميق شرخ يراه بين آل كرامي وبيت الحريري، وأن المقعد السني الوزاري كان من "جيب" رئيس المجلس، وهذه رسالة تطمين إلى الجنرال، تتمتها أنه هو، أساسا، يفدي الحلفاء برموش العيون، وحتى بالعيون نفسها.
الرد على الاتهام بالرشوة السياسية ليس إلا حلقة إضافية في الحرب على الاعتدال الذي يغضنه الخطاب السياسي لسعد الحريري، ولاستنفار عداوات، من صفوف شريحته المذهبية المعتدلة سياسيا، بعدما استنفد استنفار من يقفون إلى يمينه، من سلفية وجهادية.
الدليل أن الحرص على ما كان يسمى بيوتات سياسية قديمة لم تظهر ملامحه، ولو مرة، لدى الحزب القائد ولا لدى حليفيه. فأين بيوتات الخليل والزين (مع الاحترام للمخضرم عبد اللطيف) وصفي الدين وشرف الدين، وقبلهم الأسعد وحمادة وأمهز وحيدر، وغيرهم، في الجنوب والبقاع، فيما يتذكر المتن كيف استشرس الجنرال على مقعد الشهيد بيار الجميل من دون مراعاة أي أعراف سياسية تحترمها، عادة، البيوتات العريقة في العمل العام؟