المعرفة عن قرب التي يُقدّمها الراوي «رامي عليق» عن تجربته السابقة عندما كان واحداً من رجال حزب الله، وما أفضت إليه هذه التجربة عندما انكشف عن بصره غشاء العماء فأبصر وفكّر وقرّر، هذه المعرفة التي دوّن رامي عليق الجزء الأول منها في كتابه طريق النحل، عاد وأكمل تصدير الحقيقة عن ذاك العالم السفلي المخفي، العالم الشيطاني لوجه لا نرى منه إلا ما يراد لنا أن نرى ونصدق ونقول آمين!! فشلت رغبة حزب الله مع اللبنانيين فلا كاريزما قائده وهو يسرح في بلاعة الخطابة ومميزات الخطيب، ولا قداسة «ينسبونها إليه» غرّت سوى جمهوره، ولا تهديده وإرغاؤه وإزباده ولا تقيته في اللين عندما يحاول خداعنا بفكرة أننا شركاء في هذا الوطن!!
سطور قليلة من رواية رامي عليق «تحت المياه الخضراء»، قد تساوي المئات من المقالات التي نقدّمها للقارئ ونجتهد فيها لإماطة اللثام عن وجه حزب الله الحقيقي، رامي عليق يملك ما لا نملكه نحن التجربة التي ولّدت المعرفة، لذا سأفسح في الأيام المقبلة مساحة لنصوص كثيرة من رواية رامي عليق، ليشاركنا هذه المعرفة القارئ البسيط الذي تسرّنا متابعته اليومية لنا، تستحق نصوص رامي عليق أن تفتح لها المنابر ووسائل الإعلام والإنتاج التلفزيوني أيضاً، فقد شبعنا من تخمة «الغالبون»!!
« (…) أتوا من كل المناطق الرئيسة في لبنان:الجنوب والبقاع وبيروت.أحد الرجلين اللذين لا يعرفهما شخصياً بشكل وثيق همس في إذن رئيس المجلس التنفيذي في المقعد المجاور له. كانت لغته العربية ثقيلة، تصارع لكنة إيرانية جاهدة لتفصح عن معنى مبين. انه باقر، قائد في الحرس الثوري الإيراني وعضو في المجلس الجهادي للحزب. الآخر كان السفير الإيراني.أما البقية فكانا رجلين أكملا حلقة الحاضرين: رئيس جهاز الامن (أو المخابرات) في الحزب، الحاج رضوان (عماد)، ورئيس الجهاز العسكري(والمقاومة) السابق، ذو الفقار (مصطفى).كانا وباقر في زيّهم العسكري، (…) بدت الغرفة رطبة قليلاً، وشعر كل الجالسين بأنها معلقة في الهواء في عالم خاص بها. وحدها أبواق السيارات في الخارج اجتاحت جدران الغرفة السميكة لتكسر عزلة من بداخلها. كلّ من الحاضرين كان ملتزماً بالهدوء، وبخاصة الشيخ الذي كان يحبس أنفاسه متحفزاً مترقباً. فتح باب الغرفة على مصراعيه ليدخل آخر أعضاء مجلس الشورى. وقف جميع الرجال. السيد حسن نصر الله (…) افتتح السيد الجلسة بتلاوة من القرآن ودعاء. الجميع صامت. خرجت من فمه قحَّة لتؤذن لحنجرته بالكلام:»أيها الإخوة، كما تعلمون جميعاً، قد دعوتُ إلى هذا الاجتماع لمناقشة المسألة»، قال الرجل بهدوء مشيراً إلى الكتاب. «أخ ذو الفقار، لربما كنت في الواقع الأكثر صخباً بيننا في المرة السابقة. هل تعمَّقتَ في موقفك؟» «قد فعلتُ، سماحتك. لا زلتُ على موقفي. لا نستطيع أن ندع هذا الأمر يفلت من أيدينا، وافضل طريقة لضمان ذلك هي العمل بسرعة والانتهاء من القضية برمَّتها، مرة واحدة وإلى الأبد».
«وماذا حول التحضيرات اللوجستية لمثل هذا العمل؟»
«في الواقع، سيد، ونظراً لموقعنا الحالي في لبنان، ولارتباطنا المباشر بهذه القضية بالذات، فإن أمامنا خيارات عديدة بشأن كيفية التنفيذ»…»وضِّح أكثر لو سمحت».، «أعني نستطيع الوصول إليه بكل سهولة ويسر! بالتالي يمكن تنفيذ الأمر بهدوء تام، رصاصة واحدة، إذا فضَّلتم ذلك. في سريره على سبيل المثال؛ ضربة هادئة حين ينام. ليس من الضروري أن تثار أي ضجة. يمكن تولي هذه المسألة في الظلام بضربة واحدة سريعة».أومأ نصرالله برأسه.
«لكن إذا كنتم تودّون سماع رأيي الخاص»، أضاف ذو الفقار منقياً حنجرته، «أعتقد أن هذه المسألة هي أكبر بكثير مما تبدو. على ضوء نقاشاتنا السابقة ولا أستطيع الجزم بأن الجميع يوافقني الرأي ? فإن هذه القضية تشكّل تهديداً مباشراً لكثير مما أنجزناه معاً حتى الآن!» رفع الرجل نسخته من المطبوعة وأكمل، «هذا أمر غير مسبوق، وآخر ما نحتاج اليه هو أن تُثار مجموعة مماثلة لقضايا كهذه. لا يمكننا أن ندع الناس تعتاد على معرفة أمور حميمة بالنسبة الينا، أناسنا على الأخصّ، لا بل كل الناس في لبنان، دون أن نضع حداً لذلك. على الجميع أن يعرف أننا لا نتسامح مع هذا النوع من القضايا». ركّز الرجل نظره على نصر الله وتابع، «ما يصوّرك به هذا العمل، سماحتك، هو بحد ذاته فعل مُدان يستتبع إنزال أقصى عقوبة بمن قام به. الموت! إنه تجديفّ». (…) كان الرجل يتحدث بصوت عربي أجشّ يزداد خشونة حتى لكأنه زعيق يتردد صداه في الغرفة البيضاء المتواضعة. «ما الذي تقترحه» سأله نصر الله؟». شيء أبلغ، سيد، شيء يأخذ به شعب لبنان علماً ولا نساه.متفجرات، إخواني.دراما!»(…):»علينا أن نجعل الأمر أنموذجاً لمن يعتبر. علينا أن نري الناس أن هذا النوع من التصرف، هذا النوع من التفكير، غير مسموح به في لبنان. علينا أن نُسكت هكذا تفكير قبل أن ينمو ويتكاثر، ويقوّض كل شيء حاربنا من أجل إنجازه. هذا ما أعتقد، إخواني. إن هذه المسألة لا تعتبر تهديداً لنا فحسب، لا، بل فرصة. خطوة واحدة صغيرة من جانبنا، عبوة مزروعة بإحكام، كفيلة بإنهاء هذه الحالة وسواها من حالات محتملة» أخذ المطبوعة بيده مرة أخرى وأكمل، «أؤكد لكم، أيها الإخوة، أنه إذا خرج هذا الأمر عن سيطرتنا فسوف تنشأ حالات مماثلة في المستقبل». أطرق نصر الله برأسه متفكراً، ثم خاطب رجلاً آخر إلى جواره، «وأنت يا حاج رضوان، ماذا تقول؟».
«أشارك الأخ ذو الفقار وجهة نظره، وأوافقه الرأي في أن الأمر برمته جدّ بسيط من الناحية التنفيذية. أيضاً فإن مثل هذا العمل من وجهة نظري، أعني أمنياً، لا يحتاج إلى التفكير كثيراً. كما قال ذو الفقار، عبوة صغيرة تكفي. يمكننا زرعها دون ترك أي أثر يذكر، وننأى بأنفسنا عن تحمّل أي مسؤولية جرّاء ذلك. لكن في نهاية المطاف، سيعرف الناس بدون أدنى شك أننا من قمنا بهذا العمل، وبإذن الله، سيُدركون ثمن إهانة حزب الله. غير أن مزيداً من التمحيص قد يرشدنا إلى سبل أخرى»، قال رضوان بهدوء معهود»!!
ملاحظة: سيكون للكثير من نصوص رواية «تحت المياه الخضراء» متسعاً في هوامشنا، على الراوية ونقلها تنقّي المياه اللبنانية من خضراء المستنقعات والدّمن.