يوماً بعدَ يومٍ تتسعُ الهوةُ بين شمالِ الكرةِ الأرضيّة أو ما يُسمّى بالعالمِ الأول، وبين جنوبِها أو ما يُسمّى بالعالم الثالث.
فالتقدمُ العلميُّ والتكنولوجيُّ واحترامُ حقوقِ الفردِ الأساسية ومستوى المعيشةِ المرتفع في دولِ الشمال، يُقابله انتشارُ الأوبئةِ وتفشي الأمراضِ واستفحالِ الفقرِ وتمدُّدِ الجَهْلِ في دولِ إفريقيا، والتطرّفُ والضَياعُ في الشرقِ الأوسط، والفوضى السياسيّة في أميركا اللاتينية…
بقدرِ ما يتقدّمُّ الشمالُ منفرداً، يشدُّ به الجنوبُ الى الحضيض. فالأوبئةُ المنتشرة في افريقيا تُنغِّصُ حياةَ الغربيين، وتلوّثُ البيئةِ في الشرقِ الأقصى يُهدِّدُ البيئةَ العالمية، وتقلّصُ مساحاتِ الغاباتِ المَداريَّةِ في الأمازون يُخلُّ بنظامِ الأحياءِ البيولوجيّ ويَقلبُ نظامَ حياتِنا رأساً على عَقب. الفقرُ في الجنوبِ يولّدُ الجهلَ والجهلُ يؤدّي الى التطرّفِ والتطرّفُ خطرٌ على الحضارةِ والسلام.
فإما أن يكونَ التقدّمُ في خدمة الجميعِ ولخيرِ الجميعِ وإلا صارَ مصدرَ بلاءٍ للكوكبِ الأزرقِ ومن عليه.
فإن لم تقتنعْ حكوماتُ الشمالِ أنَّ الجنوبَ ليسَ مختبراً ولا سوقاً ولا منجَماً، وإنْ لم يُدركْ حكّامُ العالمِ الثالثِ أنَّ العلمَ والانفتاحَ والديموقراطيّةَ والحريّاتِ والحياةَ الكريمةَ باتتْ من ضروراتِ القرنِ الحادي والعشرين، فإنَّ ازديادَ الفارقَ بينَ جنوبِ وشمالِ الكرةِ الأرضيةِ سيُطيحُ بالأمنِ والسلامِ العالميين.
إنَّ مصيرَ البشريّةِ مُشترَكٌ وانهيارُ الهيكلِ – فيما لو حصلَ – سيكونُ على رؤوسِ الجميع. وتفجيرُ برجَيِّ التجارةِ العالمية في 11 أيلول لم يكنْ سوى الانذار المُبكر، ليفهمَ مَن لم يفهمْ بعد أنَّ السياسة الخارجية لا تبنى على المصالح الوطنية فقط، وإنما أيضاً وخصوصاً على المصلحة المشتركة لشعوبِ الأرض كافةً، وذلك لا يتمُّ الا عَبرَ سياساتٍ ترتقي بالإنسان وتُساعدُهُ على تحقيق إنسانيتِهِ في كلِّ مكان وزمان.