وسائل تحول دون انتقال "الحريق" إلى لبنان:
مراقبون دوليون، حكومة إنقاذ، التزام الحياد
لقد حرص لبنان على تنفيذ القرار المتعلق بترسيم الحدود بدءاً من مزارع شبعا لكي يتوصل إلى تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي، لكن سوريا التي ظنت أن ترك الحدود سائبة هو لمصلحتها رفضت ذلك واشترطت أن يبدأ الترسيم من الشمال حيث لا حاجة ملحّة إليه ولكن كي تبقى مشكلة مزارع شبعا قائمة ومحتلة من اسرائيل. ورفضت سوريا من جهة أخرى تدخلاً دولياً في ترسيم الحدود معتبرة الترسيم شأناً داخلياً يخصّ البلدين "الشقيقين" والجارين، فاضطر الرئيس سعد الحريري الذي كان رئيساً للحكومة الى اصدار بيان يؤكد فيه أن لا علاقة لأي خارج في موضوع ترسيم الحدود وهو ما ينبغي أن يتم بالتفاهم بين البلدين علّه يسهّل التنفيذ. لكن كل ذلك لم ينفع في جعل سوريا جادة في هذا الأمر ومباشرة درس الخطة الجغرافية والانمائية التي وضعتها لجنة لبنانية برئاسة الوزير السابق جان أوغاسبيان. لكن سوريا ظلت تعتبر أن ترك الحدود على ما هي، هو في مصلحتها وإن لم يكن لمصلحة لبنان. وعندما تكاثرت الحوادث الأمنية وأعمال التهريب صار التفكير جدياً بضرورة ضبط الحدود بنشر قوّة من الجيش اللبناني يعاونه مراقبون دوليون مع معداتهم المتطوّرة، وعقدت اجتماعات بين المسؤولين في البلدين لهذه الغاية. لكن الاستعانة بالمراقبين لم تكن مقبولة سورياً. وعندما عقدت قمة بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد في دمشق صدر بيان ختامي مشترك أكد الآتي:
"استئناف أعمال اللجنة المشتركة لتحديد الحدود اللبنانية – السورية وترسيمها وفق آلية وسلّم أولويات يتفق عليها بين البلدين واتخاذ الاجراءات الادارية والتقنية اللازمة للمباشرة بذلك من أجل ضبط الحدود ومكافحة التهريب والأعمال المخالفة للقانون، وذلك بوضع آليات ارتباط واتصال سريعة ودقيقة لهذا الغرض تتولى عملية المتابعة اليومية". ودعا البيان إلى تفعيل أعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين وتكثيفها واعتماد الآليات الكفيلة بالوصول الى نتائج نهائية بالسرعة الممكنة".
لكن شيئاً من مضمون ذاك البيان لم يتحقق في ما عدا إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين على مستوى السفراء وهي علاقات أمل لبنان في ان تزداد تحسناً فإذ بها تزداد سوءاً بعدما اعتبر سياسيون أن السفارة السورية في لبنان كانت بديلاً من عنجر (مقر الوصاية السورية على لبنان) بتدخلها السافر في شؤون لبنان الداخلية. والسؤال المطروح هو: ما العمل لمواجهة هذا الوضع المقلق بين لبنان وسوريا من جراء الفلتان على الحدود حيث خطر الاحتكاك والاشتباك بين المسلحين في الجانبين ونقل شرارة الأزمة السورية الى الداخل اللبناني وهي أزمة لها مؤيدون ومعارضون في لبنان.
يرى الوزير السابق أن يواجه هذا الوضع بإحدى الوسائل الآتية:
أولاً: طرح قرار تحييد لبنان الوارد في "إعلان بعبدا" على مجلس الوزراء لتأكيد التزام الجميع به لا أن يظل مجرد توصية لا تترجم لسياسة النأي بالنفس فعلاً وليس قولاً.
ثانياً: نشر قوّة من الجيش اللبناني على طول الحدود مع سوريا على أن تفعل سوريا ذلك على حدودها، وتكليف مراقبين دوليين إذا لزم الأمر المعاونة على ضبط الحدود ومنع أعمال التهريب بكل أشكالها وخصوصاً تسلل المسلحين والسلاح من وإلى البلدين، والعمل على إقامة منطقة عازلة عند الحدود مع سوريا شبيهة بالمنطقة العازلة على الحدود مع اسرائيل تنفيذاً للقرار 1701.
ثالثاً: تشكيل حكومة انقاذ وطني قادرة على مواجهة التحديات والتطوّرات المحتملة وعزل لبنان عما يجري حوله وبخاصة في سوريا ما دامت الحكومة الحالية عاجزة عن ذلك بدليل ما يحصل على الحدود بين البلدين وأدى إلى مقتل عناصر من "حزب الله" داخل الاراضي السورية، وتحميل "الجيش السوري الحر" مسؤولية ذلك للحكومة اللبنانية والتهديد بالرد على مصادر النيران داخل لبنان.
الواقع ان لبنان قد لا يستطيع الصمود في وضعه الحالي إذا ما طالت الازمة السورية، إذ قد يستوجب ذلك إعلان حال طوارئ سياسية كما اقترح وزير الداخلية والبلديات مروان شربل بهدف التصدي للتداعيات السورية، ذلك أن احتمال انفجار الفوضى فيها قد يكون مكلفاً للبنان سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وما عليه في هذه الحال سوى حماية نفسه ليسلم، وتجنيبه نزاعات الآخرين بعدم اقتحامه في معركة أكبر منه.
