
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل"
(المتنبي)
في تعريف لسلوك الشيطان فهو عادة يكثر من سرد التفاصيل الدقيقة الموثقة ويرتّبها لتتناسب مع فبركات من صنع خياله ليدفع، من خلال سرد منطقي ولهجة مقنعة، سامعيه إلى الاستنتاجات تتناسب مع مقاصده الشيطانية.
وغالباً ما يوصف الشيطان بالديماغوغ، أو الديماغوغ بأنه شيطان، وأعتقد أن أفضل تفسير لكلمة "ديماغوغ" اليونانية الأصل هي المضلّل أو الموجّه إلى الضلال. أما في السياسة فالديماغوغية هي تعبير عن النهج الذي يهدف إلى استخدام التحيّزات الشعبية والتوقعات المسبقة والمستندة إلى المخاوف والهواجس الجمعية لسياسة الجمهور.
وما يسهل مهمة الديماغوغ هو تمتّعه المسبق بكاريزما معينة لدى جمهوره خصوصاً في ظل الظروف الحرجة والمصيرية حين يتمكن من التلاعب والتحكّم بانفعالات الناس ويدفعهم إلى التحرّك حسبما يريد متجاوزين المعطيات الموضوعية.
وغالباً ما يلجأ الديماغوغ إلى وضع براهين عامة لتأييد حججه، متغاضياً ومغفلاً عن قصد تفاصيل أخرى وذلك من خلال لغة مبسّطة شعبوية ضمن موجات من الحماسة في نوبات من "الغضب المقدّس" التي تهدف إلى إبهار الجموع وإرهاب الفطن منهم حتى لا يتجرّأ على طرح التساؤلات المشروعة عن فحوى الخطاب بين جموع موتورة ومأخوذة.
بصراحة كل ما سبق خطر ببالي عندما تابعت خطاب السيد حسن نصرالله الأخير لا سيما عند مشاهدتي روّاد الصفوف الخلفية المبرمجين بشكل ميكانيكي يهتفون عند كل نوبة غضب مقدّس للسيد قائلين "لبّيك نصرالله"!. ما لي وكل هذه المقدّمة، فأنا المشكك دائماً لا أصدق كل ما أسمع، وأحياناً بعض ما أرى، ولا أترك حتى لعقلي الاستنتاج إلاّ في مجال الاحتمالات. وهذا النهج لا ينطبق عندي فقط على مَن اعتبرهم كاذبين، بل حتى على الصادقين لأنّ الحقيقة في معظم الأحيان هي مسألة وجهة نظر!
بالعودة إلى خطاب نصرالله، وحول مناسبة إطلاقه، فإن كان من واجب كل لبناني تقدير مَن استشهد دفاعاً عن بلده، ولكن إن الاستشهاد تحت راية الولي الفقيه وبقيادته يجعل الشهادة مسألة وجهة نظر، ومن حق بعض اللبنانيين التصرّف بلا مبالاة أو حتى بعدائية تجاههم، وهذه أيضاً مسألة وجهة نظر.
أما من ناحية الحديث عن إسرائيل وعن المواجهة معها، فإنّ كان هدف نصرالله كما يقول هو، مردداً كلام قائد جيشه في طهران بأنّ يحرر فلسطين بكاملها، وإن كان قادراً على تدمير دولة إسرائيل في حال تجرّأت على الهجوم على حزبه أو على إيران، فما الذي يمنع الولي الفقيه من إصدار الأوامر للمباشرة بتدمير دولة العدو حتى دون اعتداء منها؟!
وبالحديث عن الاقتصاد في دولة العدو، فقد أغفل السيد ذكر ما خسرته إسرائيل سنة 2006 في الحرب. فحسب كل التقارير لم تخسر أكثر من 3% من ناتجها القومي، ولكن ما يثير السخرية هو الحديث عن محطة الكهرباء في إسرائيل وعن أنّ إعادة تشغيلها تحتاج لستة أشهر إن أطلق عليها سماحته بضعة صواريخ مقدّسة، مفترضاً أنّ هذه الدولة ستغرق في الظلام كل تلك المدة! بالطبع انه هو نفسه لا يصدّق ما قاله، فمن المنطقي الافتراض عن دولة العدو، التي أعدّت نفسها لحرب غير تقليدية، لا يمكن إلاّ أن تكون حسبت الحسابات للبدائل أما العترة فعلينا!
والمؤكد أيضاً هو أنّه في حال كان حزب الولي الفقيه يشكّل خطراً وجودياً عليها كما يروّج نصرالله، فلا أعتقد أنّ محطة الكهرباء أو أكثر ستقف حجر عثرة في وجه مخططات العدو لإزاحة خطر من هذا النوع.
ولكن يجب تفهّم الرجل في هذا المجال فهو يحاول طمأنه جمهوره المضطرب والمتطيّر من تداعيات مغامرات حزبه البلغارية وفي ظل الانغماس في أتون الثورة السورية لا سيما بعد أن تأكد الجميع ان مشروع الولي الفقيه خسر سوريا (الولاية الايرانية رقم 53) إلى غير رجعة مهما كانت نتائج الثورة.
أمّا قمّة الديماغوغية فقد بلغها نصرالله في الحديث عن الشؤون اللبنانية عندما بالغ في التمسكن وقت تكلم عن الوفاء للحلفاء ومسايرة رئيس الحكومة وعن تأييده للقوانين الانتخابية التقسيمية تحت حجّة طمأنة المسيحيين. وعن الكلام والزهد بالحكم، بخصوص التعطف على فيصل كرامي بالوزارة، أظنه يعلم أنّ الرئيس عمر كرامي قد ضرب على رأسه عندما بالغ في مدحه، فالأخير واعٍ لما يخسره إطراء نصرالله في مدينة طرابلس. ولكن النفاق يصبح فاضحاً عندما تحدث عن إقفال البيوت السياسية وهو مَن أقفل العشرات من البيوت السياسية في إمارته المذهبية. وبغض النظر عن ذلك كله فمَن قال له ان السياسة يجب أن تنحصر في بيوت الاقطاع السياسي؟!
ذلك كله كوم وحديثه عن رفيق الحريري كوم، فقمة الانحدار الأخلاقي هي قتل القتيل والذهاب للتعزية به، وكلنا نعلم مَن ذهب للتعزية يومها. وقمّة الغدر هي أن يأتيه الرئيس الشهيد بكل ما نسبه له هو من كلام حول الموقف من "حزب الله" والمقاومة والصراع العربي الإسرائيلي، ورغم ذلك تقوم عناصر من حزبه باغتياله!.
أنا لا أعلم اليوم إن كان قرار الاغتيال قد مرّ بنصر الله قبل تنفيذه، فربما كان يومها خارج حلقة المؤامرة لحمايته من تداعياتها، وهذا نهج معروف في العمل السرّي المخابراتي، أو لأنّ هكذا قرارات تصدر مباشرة من مكتب الولي الفقيه، لكن المؤكد أنّ نصرالله يعلم اليوم مسؤولية حزبه ورفع رغم ذلك المطلوبين إلى مرتبة القدّيسين، ليعود اليوم ليعيّر ابن رفيق الحريري بما قاله والده يوماً!
لا يكفي ما قاله سعد الحريري في ردّه المباشر على هذا الكلام لأنّ ما يصح بنصرالله هو قول "إن لم تستحِ فاصنع ما شئت!".
