
ومن دون مغالاة، إن موقف الخليجيين تجاه لبنان ينبع من الوجدان والقلب قبل المصلحة. وما مصلحة دولة الخليج في لبنان غير رؤيته موحداً ومزدهراً وواحة سلام، ورؤية اللبنانيين موحدين؟ هل تريد دول الخليج نفط لبنان أم غازه، نخيله أم تمره، ليرته أم مديونيته؟ هل تريد هذه الدول الخليجية السيطرة على لبنان واحتلاله؟
لقد بذلت دول الخليج جهوداً كبيرة طوال فترات الحرب على لبنان من أجل وقف القتال، وإخراج جيوش الاحتلال منه، وإطلاق حوار بين مختلف الفئات اللبنانية، من دون تمييز بين مسلم ومسيحي. مَن ينسى موقف هذه الدول حين سحبت قواتها مما كان يُسمّى «قوات الردع العربية» فشكلت هذه الخطوة أول اعتراف بأن هذه القوات أصحبت احتلالاً سورياً؟ ومن ينسى مبادرة هذه الدول إلى تخصيص صندوق مالي لإعادة إعمار لبنان بعدما توقف المدفع؟ ومن ينسى وقوف هذه الدول إلى جانب رؤساء جمهورية لبنان (الموارنة) حين كانوا يتخذون مواقف تحتاج إلى تغطية إسلامية وعربية؟ ومن ينسى تحمّل المملكة العربية السعودية أثقال الطبقة السياسية اللبنانية التي ذهبت إلى الطائف سنة 1989؟
ورغم ملاحظات هذه الدول الخليجية على سلاح حزب الله الذي ورّط لبنان في حرب 2006 المدمِّرة، هبّت إلى مساعدة لبنان اقتصادياً من دون التمييز بين سني وشيعي وبين مسلم ومسيحي. وفي نفس السياق، من كان ينجد المصرف المركزي حين كان سعر الليرة اللبنانية يهتز، فتضع بعض هذه الدول ودائع في المصرف المركزي حفاظاً على الاستقرار النقدي في لبنان؟
ليس للبنانيين أن يتدخلوا في أنظمة الدول الشقيقة والصديقة وفي طليعتها، نظام المملكة العربية والسعودية. فلكل دولة خصائصها ومصالحها ونمط عيشها وتقاليدها. واللبنانيون ليسوا مرشدي ثورات أو محرّكي انتفاضات، ولا موزّعي شهادات في الديمقراطية. وحري بنا أن نهتم بشؤوننا ونحل خلافاتنا ونحصِّن وحدتنا ونعزّز صيغة تعايشنا عوض المس بأمن دول شقيقة واستقرارها، لاسيما وأن مشاكلنا كبيرة وتتطلب التفرّغ.
وحين يصدر أي موقف أو مقال أو رسم يسيء بشكل أو بآخر إلى مرجعية لبنانية مدنية أو دينية في وسيلة إعلامية خليجية، فأول الساخطين، قبل اللبنانيين، هم قادة هذه الدول وأمراؤها ومشايخها وأهلها الطيبون. لذلك لا يجوز أن يستغل سياسيون باحثون عن شعبية غابرة أي هفوة يرتكبها صحافي شارد في جريدة خليجية ليفجّر مكنونات قلبه ضد دول تقف إلى جانب لبنان.
إن الحملات التي يَشنّها أطراف لبنانيون على دول مجلس التعاون الخليجي، وبخاصة على المملكة السعودية، تسيء إلى لبنان أكثر مما تسيء إلى هذه الدول. وما أخشاه أن يكون وراء هذه الحملات مخطط يرمي إلى إبعاد هذه الدول العربية الخليجية عن لبنان ليسهل على أطراف إقليمية أخرى الاستفراد بلبنان. إن الأمر ليس بغريب، فقد سبق للنظام السوري أن حقق هذا المشروع طوال عقدين ماضيين. لكننا لن نسمح لهذا المخطط أن يمرّ. ولن نسمح بتعكير علاقاتنا مع أي دولة خليجية، فهذه الدول هي عمقنا العربي، ولها في قلوبنا احتياط محبة. هي فتحت أراضيها لشبابنا ونحن نفتح قلوبنا لقادتها وشعوبها.
