الجمعة الثّانية من الصّوم الكبير
قراءَةٌ منْ أَفراهاتَ الحكيمِ الفارسيّ (+345) راحةُ اللهِ صلاة (البيان الرَّابع، في الصَّلاة، 14-16)
قالَ اللهُ على لسانِ النَّبيّ: "هٰذهِ هي راحتي: أَريحوا التَّعِبين" (أَشعيا 28/12). إِصنعْ إِذًا راحةَ الله، ولا تكن لكَ حاجةٌ إِلى أَن يُقالَ لكَ: إِغفر لي. أَرحِ التَّعِبين. زُر المرضى. ساعدِ المساكين. أَوَدُّ لو أُلفِتُكَ أَبدًا، يا عزيزي، إِلى هٰذا الأَمر: وهو أَنَّ الإِنسانَ الَّذي يعملُ راحةَ اللهِ يكونُ قد صلَّى… إِذا حدثَ لكَ أَن تُريحَ إِرادةَ اللهِ وقلتَ: أَلآنَ وقتُ الصَّلاة، أُصلِّي ثمَّ أَصنعُ إِرادةَ الله، قبلَ أَن تنتهيَ صلاتُكَ قد أَفلتتْ منكَ الإِرادةُ الَّتي تُريحُ اللهَ بها، ويُنزَعُ منكطَ العملُ الَّذي يطيبُ لله، وتغدُو صلاتُكَ إِساءَة. إِلتزم راحةَ اللهِ أَوَّلًا، والرَّاحةُ هٰذِه هي الصَّلاة.
إِسمعِ الكلمَةَ الَّتي قالها الرَّسول: "لو كنَّا ندينُ أَنفًسَنا، لما كنَّا نُدان" (1كور 11/31). دِنْ نفسَكَ على الأُمورِالَّتي أَقولُ لكَ: إِذا حدثَ لكَ أَن سافرتَ في طريقٍ بعيد، فعطشتَ منْ شدَّةِ الحرّ، وذهبتَ إِلى أَحدِ الإِخوةِ تقولُ لهُ: أَرحني من صليبِ العطش. فأَجابكَ: أَلآنَ وقتُ الصَّلاة. سأُصلَّي ثمَّ آتي إِليك. قبلَ أَن يُنهيَ صلاتَهُ، تكونُ قد متَّ منَ العطش. ما الأَفضلُ في نظَرِكَ؟ أَن يذهَبَ إِلى الصَّلاة، أضم يرفعَ عنكَ عذابَ العطش؟ وإِذا سافرتَ في زمنِ الشِّتاء، وجاءَ عليكَ المطرُ والثَّلج، وأَنتَ تتعذَّبُ منَ البرد، فيذهَبُ صديقُكَ إِلى الصَّلاة، بعدَ أَن يكونَ قد أَسمعكَ الجوابَ عينَهُ. في هٰذهِ الأَثناء، تكونُ قد متَّ من البرد. ما هي ثمرةُ صلاةِ هٰذا الرَّجلِ الَّذي لا يرفعُ العذلابَ عنكَ؟ لمَّا أَعطى ربُّنا مثلَ الدَّينونَة، ميَّز بينَ فئتينِ منَ البشَر: القائمينَ عنِ اليمين، والقائمينَ عنِ اليسار. هٰذا ما قالَهُ لأَهلِ اليمين: "جعتُ فأَطعمتُموني. عطشتُ فسقيتُموني. مرضتُ فزرتُموني. غريبًا كنتُ فآويتُموني" (متّى 25/35). وقالَ لكلامَ عينَهُ سلبًا لأَهلِ اليسار. وبما أَنَّهم لم يفعلوا ذٰلكَ، أَسلمَهُم إِلى العذابِ وأَرسلَ بني اليمينِ إِلى الملكوت.
أَلصَّلاةُ واجبٌ وأَعمالُها جميلة. والصَّلاةُ مقبولةٌ عندما تَجلُبُ الرَّاحة. تُستجابُ هي عندما تشمُلُ الغفران. محبوبَةٌ هي إِذ تخلو منْ كلِّ غِشّ. قويَّةٌ هي إِذ تسكنُ فيها قدرَةُ الله. هٰذا معنى ما كتَبتُهُ لكَ، يا عزيزي، أَن يعملَ الإِنسانُ راحةَ اللهِ وإِرادتَهُ. وعملُ إِرادةِ اللهِ صلاة. هٰكذا تبدو الصَّلاةُ جميلة. ما قلتُهُ لا يجبُ أَن يُبعِدَكَعنِ الصَّلاة، بل يكونُ لكَ حافزًا عليها. ولا تمَلَّ، كما قالَ ربُّنا: "صلُّوا ولا تملُّوا" (لو 8/1). كنْ يقظًا. أُنفضْ عنكَ الكسَلَ والتَّقاعُسَ والونى. إِسهر في اللَّيلِ وفي النَّهارِ ولا تُخمِد نشاطَك.
الرّسالة: روم 1: 18-25
غضب الله
18 فإنّ غضبَ الله يُعلنُ منَ السّماءِ على كلّ كُفرٍ وظلمٍ يفعلهُ النّاس، الَّذينَ يحبسونَ ٱلحقّ في الظّلم،
19 لأنّ ما يُعرفُ عنِ الله ظاهرٌ لهم، فالله أظهرهُ لهم،
20 فإنّ ما لا يرى منَ الله منذُ خلقِ العالم، أي قدرتهُ الأزليّة وألوهتهُ، تدركها العقولُ من خلالِ مخلوقاتهِ، لذٰلكَ فإنّهم لا عذرَ لهم،
21 لأنّهم، برغمِ معرفتهم لله، ما مجّدوهُ ولا شكروهُ كما يليقُ بٱلله، بل تاهوا في أفكارهم الباطلة، وأظلمت قلوبهم الغبيّة.
22 زعموا أنّهم حكماء، فإذا بهم جهلاء!
23 وٱستبدلوا مجدَ الله المنزّهِ عن الفسادِ بشبهِ صورة إنسانٍ فاسد، وطيورٍ وذواتِ أربعٍ وزحّافات.
24 لذٰلك أسلمهم الله في شهواتِ قلوبهم إلى النّجاسة، تحقيرًا لأجسادهم فيما بينهم.
25 همُ الَّذينَ أبدلوا حقّ الله بالكذب، فٱتّقوا المخلوقَ وعبدوهُ بدلَ الخالق، الَّذي هو مباركٌ إلى الدّهور. آمين
شرح آيات الرّسالة:
1/18-5/11 بعد إعلان الموضوع (16/17)، يوسّع بولس الموضوع على طريقة الأنبياء الأقدمين، في أربع مراحل متتالية، من أربع زوايا مختلفة متكاملة، وفي كل مرحة لوحان، سلبيّ يصف الشّقاء بدون الإنجيل، وإيجابيّ يَصف الخلاص بالإنجيل (راجع المقدمة 658). هٰذه هي المرحلة الأولى 1/18-5/11، واللّوح السّلبيّ يَصِف شقاء الوثنيّين واليهود، على السّواء، بدون الإنجيل (1/18-3/20)، والإيجابيّ يصف الخلاص للجميع بالإنجيل (3/21-5/11).
18-32 لقد حادت البشريّة عن طريق الخلاص، وفقدت نعمة البرّ. يبرهن بولس هٰذا الحَيدَ والفُقدان من الوضع الدّينيّ الّذي آل إليه العالم الوثنيّ: لقد عرف الله، لٰكنّه لم يعبد الله، بل عبد أصنامًا (1/18-23)، وٱستسلم لكلّ رذيلة (1/24-32)، نتيجةً حتميّةً لضلاله الدّينيّ.
18-23 يشدّد بولس على طاقة العقل البشريّ الجدير بأن يعرف، من خلال المخلوقات، قدرة الله الخالقة وألوهته (18-20)، ولا يعذر إنسانًا لا يعرف الله، أو يعرفه ولا يعبده ولا يشكره (21-22)، أو يستبدله بأصنامٍ فاسدة (23). أجمع آباء المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الأوّل على أنّ بولس يثبت، في هٰذه الآيات، طاقة العقل البشريّ على الإقرار بوجود الله ووحدانيّته وشخصانيّته، ولو نظريًّا، مهما أنكر ذٰلك وما أقّر به عمليًا.
18 مي 7/9؛ صف 1/15؛ 3/1-10؛ مز 85/4-6؛ 69/25؛ أف 5/6؛ قول 3/6؛ 2 تس 2/12.
غضب الله: "غضب الله" المُعلن هنا، في بدء هٰذا اللّوح السّلبيّ (1/18-3/20)، على كلّ كفر وظلم من النّاس، ينقصه "برّ الله" الظّاهر في يسوع المسيح، في بدء اللّوح الإيجابيّ (3/21-5/11)، لكل مؤمن من النّاس. العهد القديم يجمع الموضوعين، "غضب الله"، و"برّه وخلاصه" (مي 7/9؛ صف 3/1-10)، ويجمعهما بولس والتّبشير الرّسوليّ الأوّل، (روم 1/18؛ 2/5؛ 3/5؛ 4/15؛ 9/5؛ 9/22؛ 12/19. 1 تس 1/10).
يُعلن: ٱستعمال الفعل في صورة الحاضر، كما في الآية 17، يدلّ على أنّ عمل الله الخلاصيّ النُّهْيَويّ في كلّ من يؤمن بٱلمسيح يسوع، من جهة، وحُكمَه وغضبه على البشريّة الخاطئة الّتي ترفض الإيمان بالمسيح يسوع، من جهة أخرى، هما حقيقة تاريخيّة حاضرة وفاعلة في التّاريخ الآن وأبدًا.
19 حك 13/1-9؛ سي 17/8؛ رسل 14/15-17؛ 17/24-28؛ 1 قور 1/12.
20 أي 12/7-9؛ مز 19/1؛ آش 40/26-28.
21 أف 4/17-18.
22 إر 10/14؛ 1 قور 1/19-20.
23 خر 32؛ تث 4/15-19؛ مز 106/20؛ حك 11/15؛ 12/24؛ 13/10؛ 14/12-21؛ إر 2/11).
24-32 الإنسان الّذي يرفض أن يعبد الله الحقّ، ينحطّ عن كرامته الإنسانيّة نفسها، ويستسلم للفساد، على مراحل، يختصرها بولس هنا في ثلاث: ٱستسلام للنّجاسة (24-25)، فٱستسلام لرذيلة مُخالِفةٍ للطّبيعة (26-27)، فٱستسلام لرأي خُلُقيّ فاسد (28)، يُطلِق العنان ﮕرتكاب الرّذائل والمُنْكرات (29-32). إقتبس بولس من الأدب اليونانيّ واليهوديّ المعاصر، لوائح رذائل، يردّدها تكرارًا في رسائله (روم 13/13؛ 1 قور 5/10-11؛ 6/9-10؛ 2 قور 12/20-21؛ غل 5/19-21؛ أف 4/31؛ 5/3-5؛ قول 3/5-9؛ 1 طيم 1/9-10؛ 6/4؛ 2 طيم 3/2-6؛ طي 3/3). ونجد مثلها في مختلف كتب العهد الجديد (متّى 15/19؛ 1 بط 4/3؛ رؤ 21/8؛ 22/15).
24 رسل 14/16؛ أف 4/19؛ حك 14/22-31.
أسلمهم الله: تعبير كتابيّ مألوف (قض 2/14؛ 3/28؛ مز 106/41). ورد هنا ثلاث مرّات (24، 26، 28). ليست معرفة الله في عقل الإنسان معرفة نظريّة مجرّدة، بل هي التّزام أدبيّ عمليّ وٱجتماعيّ. متى أنكر الإنسان خالقه، فَقَد ٱتّزانَهُ الطّبيعيّ، وفسد رأيه، فأمسى جديرًا بٱرتكاب أقبح الرّذائل والمنكرات. يرى بولس في كلّ ذٰلك قصاصًا من الله للإنسان غير المؤمن بٱلله. يحكم بولس على العالم الوثنيّ في العموم، لا على الأشخاص والأفراد، لأنّ بين الوثنيّين أناسًا يحفظون شريعة الله المكتوبة في ضمائرهم وقلوبهم، ويعملون بها (روم 2/14-15). ويعتبر بولس أنّ المسؤول الأكبر هم المفكّرون والعقلاء والفلاسفة، قادة الشّعب، الّذين يدّعون المعرفة، ولا يعملون بموجبها (22).
26 إر 13/25؛ 16/19؛ روم 9/5.
الإنجيل
متّى 18: 23-35
مثل العبد القاسي
23 لذٰلك يُشبهُ ملكوت السّماوات ملِكًا أرادَ أن يُحاسبَ عبيدهُ.
24 وبدأ يُحاسبهم، فأُحضِرَ إليه واحدٌ مديونٌ لهُ بستّين مليون دينار.
25 وإذ لم يكن لهُ ما يوفي به دينَهُ، أمرَ سيّدهُ بأن يُباع هو وزوجتهُ وأولادهُ وكلّ ما يملكُ ليوفيَ الدّين.
26 فوقعَ ذٰلك العبد ساجدًا له وقال: أمهِلْني، يا سيّدي، وأنا أُوفيكَ الدّين كلّهُ.
27 فتحنَّنَ سيّد ذٰلك العبد وأطلقَهُ وأعفاهُ من الدّين.
28 وخرجَ ذٰلكَ العبد فوجدَ واحدًا من رفاقه مديونًا له بمئة دينار، فقبضَ عليه وأخذ يخنُقُهُ قائلًا: أوفِني كلّ ما لي عليك.
29 فوقعَ رفيقَهُ على رجلَيه يتوسَّل إليه ويقول: أمهلني وأنا أوفيك.
30 فأبى ومضى به وطرحهُ في السِّجن، حتَّى يوفي دينَهُ.
31 ورأى رفاقه ما جرى فحزنوا حُزنًا شديدًا، وذهبوا فأخبروا سيّدهم بكلّ ما جرى.
32 حينئذٍ دعاهُ سيدّهُ وقال له: أيّها العبدُ الشّرّير، لقد أعفَيتُكَ من كلّ ذٰلك الدّين، لأنَّكَ توسَّلتَ إليَّ.
33 أمَا كان عليكَ أنتَ أيضًا أن ترحَمَ رفيقَك كما رحِمتُكَ أنا؟!
34 وغضِبَ سيّدهُ فسلَّمهُ إلى الجلاّدين، حتَّى يُوفي كلّ ما عليه.
35 هٰكذا يعفل بكم أيضًا أبي السّماويّ، إن لم تغفروا، كلُّ واحدٍ منكم لأخيه، من كلّ قلوبكم".
شرح آيات الإنجيل:
23 متّى 25/19.
عبيده: لا يعني اللّفظ دائمًا العبوديّة، ويطلق غالبًا في الكتاب المقدّس، على شخصيّات مهمّة (1 صم 8/14؛ 2 مل 5/6؛ عز 4/7، 9، 17، 23؛ 5/3، 6؛ 6/6، 13؛ متّى 13/27؛ 25/14-30).
24 بستين مليون دينار: ترجمة أخرى "عشرة آلاف بدرة": البدرة ستّة آلاف دينار، والدّين كلّه ستّون مليون دينار، وبهاظة المبلغ تعني عجز ذٰلك العبد عن قضاء دينه، وتدلّ على حالة يائسة لا ينقذه منها سوى سيّده، وتلك حالة الإنسان مع ربّه.
27 لو 7/42.
28 مئة دينار: المبلغ زهيد بٱلنّسبة إلى المبلغ السّابق، فلا نسبة بين ما يغفره الإنسان للإنسان، وما يغفره الله.
34 متّى 5/25-26؛ لو 12/58-59.
36 متّى 6/12، 15؛ مر 11/25؛ أف 4/32؛ قول 3/13.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.
