#adsense

ماذا يفعل؟!

حجم الخط

سبق وأن اشتمل الموقف السياسي لـ"حزب الله" من الثورة السورية على ما يكفي من مقوّمات الادانة بالنسبة إلى داعمي تلك الثورة ومناهضي السلطة الفئوية الاسدية… لكن لم يسبق أن تخطّت تلك الإدانة حدودها السجالية المألوفة، على ضراوتها وذلك لموازاتها مع "أسباب تخفيفية" تكمن في الافتراض، أنَّ الحزب مثله مثل سائر الأطراف في لبنان، ترك مسافة واضحة بين "موقفه السوري" والواقع اللبناني.

أي، بدا حتى الأمس القريب، أن لا مصلحة لـ"حزب الله" كما لمناوئيه وأخصامه، في ترجمة الانقسام السياسي حيال الوضع السوري، في لبنان ميدانياً… لغة المصالح الناشفة والباردة بهذا المعنى، كانت أقوى من تلك الحارّة والمطعّمة برطوبة الدم. كما أنّه، لا ذرّة منطق يمكن أن تبرّر أي موقف استدراجي للقتال السوري إلى "الساحة" الداخلية. الكارثة هناك. وستبقى هناك. لكن تأثيراتها السياسية ستظهر لاحقاً، هنا وفي كل الجوار والمدار المحيط. وستؤثّر حُكماً، نظرياً وعملياً، على الاصطفاف أو الانقسام اللبناني المديد. وبالتالي، لا جديد يمكن أن يُضاف إلى لائحة التشظية بما يكفي لإشعال النار.

وكان الافتراض، فوق ذلك، أنّ السقوط الحتمي لسلطة الأسد، سينعكس إيجاباً على الداخل اللبناني وليس العكس. وسنكون للمرة الأولى منذ بدء المسيرة الانقسامية قبل العام 1975 حتى اليوم، أمام حالة جديدة تماماً: الوجود العسكري النظامي السوري في لبنان انتهى في 26 نيسان من العام 2005، لكن الدور السياسي و"الأمني" بقي. والتأثير تضاءل لكنه لم يتبخّر… بعد سقوط السلطة، سينتهي ذلك الدور بكل أبعاده، وسيتبخّر التأثير لسنوات طويلة آتية. والافتراض المتمّم، هو أنّ أوّل مَن يعرف تلك الحقيقة هو "حزب الله" أكثر من غيره. وأنه، لا بد له بعد ذلك، من إنزال المكابرة إلى أسفل جدول أعماله ووضع مكرمة الواقعية والتواضع في مكانها. وفي المحصّلة، سيعني ذلك (وينتج) مناخاً سياسياً أقل حدّة وتشنجاً. وستندحر ثقافة الشتم والتخوين والعنف اللفظي كما لغة الخشب والكلس من القاموس السياسي اللبناني. وسيبدأ اللبنانيون رحلة العودة إلى ثقافة مدنية ليست بعيدة عن مناخهم الطبيعي، يأخذ فيها اعتدال الخطاب وأدب الخصام حيزاً رئيسياً مشعشعاً.

كان ذلك بالأمس… لكننا اليوم في مكان آخر، أو هكذا يشي انخراط "حزب الله" في الميدان القتالي السوري وبطريقة غير مفهومة، لقلّة حيائها ومستوى الرعونة وقصر النظر فيها. وكأنّ فائض القوّة نما على حساب البصر والبصيرة وليس على المراكمة التصاعدية في التنظيم الحديدي والتسليح والعسكرة والإمكانات البشرية والمالية! وكأنّ القياس البسيط الخاص بالأفراد يصحّ تماماً عليه وعلى البنى والأحزاب والتنظيمات والأنظمة السابحة في عالم الشمولية من دون غيره: كلما نمت عضلات الجسد تراجعت عضلات العقل! وكلما ازدادت القوة الجسدية تقلّصت مقومات المنطق الصحيح وانحشر الخيال في زاوية الحديد والنار فحسب!

… وإلاّ كيف يمكن تفسير كارثة انخراط ذلك الحزب في الدم السوري؟ وكيف، في منطقه هو، تُخدم "مقاومة" إسرائيل في ريف حمص وجوارها! وأي "فتوى" تلك التي تبيح القتال إلى جانب السلطة الأسدية ضدّ أهل سوريا؟ وأين مصلحته ومصلحة "جمهوره" في استعداء السوريين جيلاً بعد جيل! ومن خلفهم وأمامهم وعلى طول الخط، حالة عربية إسلامية متنامية الأطراف وواسعة المدى وكانت حتى الأمس القريب، تضع فوق رأسها، ما أنجزه الحزب في الصراع مع إسرائيل… وكأنّه لم يكتفِ باستعداء أكثر من نصف اللبنانيين بدل أن يفعل العكس تماماً، فإذا به يشنّ حرباً ميدانية على أكثرية السوريين ويضع الحِراب في قمّة جدول أعماله مع باقي العرب والمسلمين ونصف الكرة الأرضية؟!

لم ينتبه ربما، إلى أنّ انكسار القوس (الإيراني) الممتد من طهران إلى بيروت مروراً بالعراق وسوريا، صار دائماً. ولا شيء فوق الأرض، يمكن أن يبنيه من جديد. لا القتال في ريف حمص. ولا محاولة إحكام السيطرة على القرار اللبناني من خلال قانون انتخاب مسخ! ولا السعي المحموم لإنعاش "ثقافة الحصار والقلعة" عند جمهوره. ولا التنطّح لأدوار عابرة للحدود، لم تقوَ على تحمّل أعبائها أنظمة وحالات كانت أقوى وأهم منه بكثير!

ثم بعد ذلك، المعادلة بسيطة: الدخول الطنّان في "الوضع" السوري، سيعني استيراد ذلك "الوضع" إلى الداخل اللبناني… وهذه قصّة كبيرة، سبق وأن قرأ كثيرون شيئاً شبيهاً لها، ولم يجدوا في ختام عتمتها أي بقعة ضوء!
وحقاً قال مَن قال: ماذا يفعل "حزب الله" بحاله وبجمهوره وباللبنانيين ولبنان، في الإجمال؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل