#adsense

في ذكراه الثامنة.. الحلم يتجدد

حجم الخط

"وراء الجنازة سارت قريش فهذا هشام وهذا زياد
وهذا يريق الدموع عليك وخنجره تحت ثوب الحداد
وهذا يجاهد في نومه وفي الصحو يبكي عليه الجهاد".
(نزار قباني)

النزق الثوري
في أيام طفولاتنا الثورية عندما كنا نختطف من أحضان أمهاتنا لنشرب العقائد الثورية بدل الحليب، كنا مقتنعين بأن الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأهداف الثورية بشكل حاسم هي بإلغاء الآخر المختلف، والإلغاء غالباً ما يكون بالقتل لمجرد الشبهة بتشكيل خطر على "الأهداف الثورية!" أو "المسار الثوري!" أو "إضعاف الحالة الثورية!"، وغيرها من الاتهامات الممسوخة الخالية من أي مضمون إنساني. بناءً على ذلك، فإن أسهل القرارات عند المنظومات الثورية هي أحكام الإعدام، أما القرار الصعب والذي يحتاج الى كمّ هائل من ضبط النفس فهو الإحجام عن القتل!

التشكيك لحماية القاتل
في حوار مجموعة من الأصدقاء بعد المقال الشهير في مجلة "درشبيغل" الذي اتهم فيه "حزب الله" باغتيال رفيق الحريري، استهجن البعض هذا الاتهام على أساس أن هذا الحزب لا يمكن أن يقدم على عمل من هذا النوع خوفاً من تداعياته خصوصاً لأن رفيق الحريري كان داعماً لـ"حزب الله" لفترة طويلة، وأسهبوا في الحديث عن مساهمته في تشريع المقاومة دولياً بعد حرب "عناقيد الغضب" سنة ، وعن سعيه الدائم الى حماية هذا الحزب من وضعه على لائحة الإرهاب، وركزوا على مسرحيات الود التي دأب على الترويج لها تلفزيون "المنار" الثوري بعيد الاغتيال بين الحريري ونصرالله.

ثم أضاف البعض حججاً منطقية حول من تضرر ومن استفاد من الجريمة مؤكدين أن ما يسمى معسكر الممانعة الذي يضم الحزب هو المتضرر الأول بدليل خروج النظام السوري بشكل مذل من لبنان تحت هول الحدث.
ثم عاد وأكد آخرون أن الجريمة هي جزء من مخطط أميركي إسرائيلي خبيث لاستكمال فصول القرار 1559، مع الاعتراف بأن "حزب الله" والنظام السوري قد يكونان استدرجا إلى ساحة الجريمة في مخطط مماثل لما قامت به "ابريل غلاسبي"، سفيرة الولايات المتحدة، مع صدام حسين عشية استباحته للكويت!
ومن ضمن المعطيات التي طرحت أيضاً كانت أن الهدف من اغتيال الحريري هو إثارة الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة.

لكل تشكيك جواب
من الصعب طبعاً التعامل مع هذا الكم من الحجج المنطقية حول أسباب وخلفيات وفصول الجريمة لا سيما عندما تضاف إليها لازمة "شهود الزور"، وبالأخص عندما يضعها أمامك نخبة من الأصدقاء الذين تحبهم وتحترمهم، وإن كانوا من خلفيات سياسية وعقائدية تختلف أو تتناقض مع قناعتك وتجربتك ومعلوماتك. وبالمقابل مع كل هذه الآراء هناك كثر يعتبرون أن اتهام معسكر الممانعة بالجريمة أمر منطقي وطبيعي في سياق التحليل والخبرة مع هذا المعسكر الذي لم يتوقف عن القتل على مدى وجوده.

كل ما سبق بالطبع يقع في مجال الجدل المنطقي السياسي، أما الأساس في العمل الجنائي والقانوني فهو يستند إلى ما تظهره ساحة الجريمة من معطيات مادية ووقائع جرمية تؤدي إلى اتهام أفراد أو عصابات بالقيام بجريمة ما، ومن بعدها تقوم المحكمة بسبر غور خلفيات الجريمة لجهة من خطط وساهم وأعطى الأوامر.

ذلك كله أصبح اليوم أمراً واقعاً من خلال انطلاق المحكمة بخصوص اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وما علينا إلا انتظار مسارها لنحكم على خواتيمها.
أما للجواب على تشكيكات الأصدقاء فكنت أقول ما يلي:

أولاً: ليس سراً القول إن رفيق الحريري كان مهندساً أساسياً لاتفاق الطائف الذي رفضه "حزب الله" في حينه ونعته بمختلف النعوت السلبية، والواقع هو أن هذا الاتفاق وضع ضوابط خطيرة في وجه الحلم المعلن يومها لاتباع ولاية الفقيه بجعل لبنان جزءاً من أمبراطورية الحرس الثوري. ولم يوفر قادة الحزب لاحقاً رفيق الحريري في تهجماتهم واتهاماتهم علناً، وتم تجاهل دوره بشكل فاضح ولئيم من قبلهم في مسألة تشريع المقاومة دولياً بعد حرب ، ويكفي مراجعة أدبيات الحزب التي منحت المنة لوزير خارجية إيران بشكل أساسي.

والواقع هو أن منطقي الحريرية والولاية الفقيهية متناقضان إلى حد العداوة المطلقة وهما كما وصفه يوماً وليد جنبلاط بين ممثلي هانوي وهونغ كونغ، فالأول مشروع ثوري يقوم على العنف والصراع، والآخر مشروع يسعى إلى الاستقرار لتأمين الازدهار. وإن كانت الحريرية في منطقها سعت إلى تسوية ما تؤدي إلى أن "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"، فإن المنطق الثوري غير قادر على التسويات، والسؤال هنا هو كيف صبر منطق ولاية الفقيه كل هذه السنوات قبل اغتيال رفيق الحريري؟!

أما الحديث عن الخوف من تداعيات الجريمة فقد ظن القتلة أن الجريمة ستوضع في خانة المجهول كسابقاتها ومن هنا الحرص الواضح على سرية العملية.
ثانياً: إن مسرحيات الود والتقدير والحوار بين رفيق الحريري وحسن نصر الله، والتي تم الترويج لها من قبل تلفزيون "المنار"، والتي تتناقض تماماً مع مواقف قادة هذا الحزب وأتباعهم قبل الاغتيال، ما هي إلا جزء من حملة النفاق وممارسة للتقية لتغطية معالم الجريمة، والواقع أنه لو كان "حزب الله" مقتنعاً بأن إسرائيل اغتالت رفيق الحريري لكان من الواجب اعتباره من شهداء المقاومة!

ثالثاً: في الحديث عن المتضررين من اغتيال رفيق الحريري، فهم رفيق الحريري أولاً وباسل فليحان والمواطنون الذين صوُدف مرورهم في موقع الجريمة وكل من مسته الجريمة مادياً ومعنوياً، أما ثانياً فإن النظام السوري دفع الثمن باضطراره الى الخروج من لبنان بشكل مذل تحت وطأة الضغط الدولي وبعد تظاهرة آذار. لكن نزق هذا النظام وتجاربه السابقة في التملص من كل جرائمه في لبنان وسوريا قد يكونا شجعاه على الاندفاع في شطب رفيق الحريري من المعادلة رغم التبعات المحتملة.

ومع أنه من الممكن القول إن إسرائيل وأميركا وأوروبا استفادت بشكل غير مباشر في السياسة، ولكن لننظر ملياً من ربح بشكل مباشر: لقد تمكن مشروع ولاية الفقيه من التخلص من رجل كان محور التحرك على المستوى الدولي ضده، وتمكن "حزب الله" من التخلص من شريكه المضارب في لبنان وهو النظام السوري فأصبح مشروع ولاية الفقيه له الأولوية في السيطرة على الأوضاع بعد أن كانت اليد الطولى للنظام السوري. وتمكن "حزب الله" من إعادة لبنان إلى زمن الفوضى وغياب الدولة والمؤسسات، وهو الوضع المثالي له لفرض نفسه بديلاً من الدولة.

رابعاً: قد تكون الجريمة جزءاً من مخطط أوسع يتضمن القرار 1559، ولكن وبناءً على الوقائع المادية التي تتهم أربعة من "حزب الله"، هل يعقل أن يكون هذا الحزب جزءاً من أدوات هذا المخطط، وهل يعقل أن معسكر الممانعة ومن ضمنه نظام بشار قد استدرج في مؤامرة لارتكاب هذه الجريمة!؟ محتمل وإن كان مستبعداً.

خامساً: إن كان الهدف من الجريمة هو إشعال فتنة سنية- شيعية، فيجب أن نتذكر أن شريط أبو عدس الشهير اتهم التطرف السني باغتيال رفيق الحريري، ولو كان الهدف إثارة الفتنة لكان استبدل أبو عدس بأبي حسين أو أبي مهدي. على كل فإن "حزب الله" وولاية الفقيه قاموا بكل ما يلزم لخدمة مشروع الفتنة ويتعاون معهما من دون اتفاق التطرف السني.
تجديد الحلم

اليوم نعيش الذكرى الثامنة لاغتيال رفيق الحريري، والجدل لا يزال قائماً رغم كل المعطيات، وبعض مؤيدي الممانعة لم يتورعوا عن التصريح بأنه "إن كان "حزب الله" قد اغتال رفيق الحريري فيعني أنه فعل ذلك لسبب وجيه!".
لذلك فقد تخطت المسألة قضية العتب بين الأحباب ولم يعد يجدي تعيير القاتل بأنه قاتل، لأن الأمور ما هي سوى جزء من صراع أوسع قد يكون على امتداد الكرة الأرضية، كان رفيق الحريري في حياته يسعى الى حماية لبنان من أن يكون ساحة له.

منذ بضعة أيام، وفي يوم استذكار والده، عاد سعد الحريري وكرر العرض الذي يسمح بتحويل حلم والده إلى حقيقة وهو حلم يستفيد منه حتى مَن هم مقتنعون بأن قتل رفيق الحريري محلل عقائدياً وربما أخلاقياً. إنه حلم الدولة الحاضنة للجميع التي تعطي الأمان والاستقرار وفرصة الازدهار للمواطنين، فهل من يسمع قبل فوات الأوان؟!. 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل