مع دخول الأزمة السورية مرحلة معقدة بسبب عدم تمكن المجتمع الدولي من وضع حد لإراقة الدم السوري النازف لأكثر من عامين والفشل في ردع نظام بشار الأسد عن الجرائم التي يرتكبها بحق شعبه يومياً، كان لبلد الجوار الإقليمي "لبنان" نصيب من الانزلاق بسرعة كبيرة إلى مستنقع هذه الأزمة في ظل الخروقات الأمنية المتكررة من الجانب السوري على قرى وبلدات حدودية لبنانية منذ بدء الثورة، إضافة إلى مسار مجهول للاستقرار الأمني اللبناني في حال استمرار دائرة العنف في سوريا، خاصة مع اتهامات من قبل المعارضة السورية بتورط " حزب الله " اللبناني في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد.
ووسط هذه الأجواء، يتخوف عدد من المراقبين من تسارع الأحداث في الداخل اللبناني جراء الصراع الدائر في سوريا الذي حصد ما يقارب 70 ألف قتيل منذ بدء الأزمة قبل، ليتحول لبنان من متلق لتداعيات الأزمة السورية بفعل الحدود المشتركة والعلاقات الاستراتيجية، إلى مشارك فيها.
وفي رصد لتصاعد الخروقات من الجانب السوري على لبنان خلال الشهر الجاري، أفادت مصادر أمنية بسقوط قذائف من الجانب السوري في قضاء عكار شمال لبنان وطالت أطراف بلدتي الدبابية والنورا في المنطقة.
كما عكست الأزمة السورية حالة من عدم الاستقرار الأمني على الداخل اللبناني، خاصة بين سكان المناطق الحدودية، حيث شهدت منطقة وادي خالد في قضاء عكارحالة من التوتر والغضب على خلفية مقتل مواطن لبناني من أبناء المنطقة برصاص قنص مصدره الجانب السوري، وقد استتبع هذه الحادثة ظهور مسلح في "وادي خالد" ما استدعى تدخلا من قبل القوى الأمنية لضبط الوضع.
كما خيم القلق على أهالي عكار أيضاً قبل أيام جراء الخروقات الأمنية من الجانب السوري والتي دفعت العديد من السكان إلى مغادرة منازلهم بسبب تعرض البعض منها إلى رشقات نارية في منطقة البقيعة الحدودية في وادي خالد.
وقد تعرضت المنازل الواقعة عند الضفة اللبنانية لمجرى النهر الكبير لأعيرة نارية من أسلحة متوسطة وخفيفة وبعض القذائف الصاروخية مصدرها الجانب السوري، مما اضطر عدد من الأهالي إلى النزوح لأماكن أكثر أماناً.
وتسود المناطق الحدودية مع سوريا وتحديداً في شمال لبنان حالة من الترقب مع توالي الخروقات الأمنية من الجانب السوري، حيث أقدم عدد من أهالي بلدة العريضة الحدودية قبل أيام على قطع الطريق الدولية بين لبنان وسوريا عند معبر العريضة احتجاجاً على إطلاق الجانب السوري رشقات نارية على منازلهم.
وتأتي هذه الخروقات المستمرة من قبل الجانب السوري وسط مطالب من السلطات اللبنانية بوقفها، حيث أكد الرئيس اللبناني ميشال سليمان في أكثر من مناسبة على ضرورة وقف القصف السوري والخروقات التي تقع على الجانب اللبناني من الحدود الفاصلة بين البلدين، مشدداً على أن الجيش اللبناني كُلّف بضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمسلحين، في حين يطالب أهالي المناطق الحدودية بتوسيع انتشار الجيش اللبناني لحمايتهم من الاعتداءات المتكررة من قبل الجانب السوري.
وعلى الرغم من التوتر الأمني الذي تشهده الحدود المشتركة بين سوريا ولبنان منذ بدء النزاع السوري قبل أكثر من عامين والتي شملت سقوط قذائف أطلقها الجانب السوري على بلدات حدودية لبنانية إضافة إلى إطلاق نار على بعض المناطق اللبنانية الواقعة على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا، إلا أن المراقبين اعتبروا أن هذه المرحلة "هي الأخطر" مع تهديد الجيش السوري الحر بقصف مواقع لحزب الله اللبناني في حال استمر القتال إلى جانب نظام بشار الأسد وفي وقت يتهم فيه النظام السوري تيارات سياسية لبنانية بتسهيل تهريب المسلحين وتأمين الدعم للمقاتلين المعارضين.
وكانت هيئة أركان القيادة المشتركة للجيش السوري الحر قد أعلنت قبل أيام عن قيام مجموعة من كتائب الجيش السوري الحر بشن هجومين على حزب الله اللبناني، واحد داخل الأراضي السورية، وآخر داخل الأراضي اللبنانية.
وأوضحت الهيئة، أن الهجوم الأول استهدف بالأسلحة الرشاشة وقذائف مضادة للدروع مجموعة من مقاتلي حزب الله برفقة سيارتي دفع رباعي داخل الأراضي السورية في ريف القصير الغربي بحمص، حيث أوقعت جميع عناصر المجموعة المستهدفة بين قتيل وجريح، في حين قام الجيش الحر باستهداف مربض لمدفعية حزب الله داخل الأراضي اللبنانية في منطقة حوش السيد علي في الهرمل شمال لبنان ودكها بقذائف الهاون، مما أسفر عن إصابات بين مقاتلي الحزب.
وقد تزامن هذا الإعلان من قبل الجيش السوري الحر مع تأكيده أنه سيصعد هجماته على مواقع لحزب الله، محذرا أهالي الهرمل شمال لبنان (مكان وجود قاعدة حزب الله العسكرية) من الاقتراب من المراكز والنقاط العسكرية والأمنية لحزب الله كونها ستكون أماكن مستهدفة من قبل الجيش السوري الحر.
وقد ألقت الأزمة السورية بظلالها على المشهد الداخلي اللبناني وسط اتهامات متبادلة بين الفرقاء السياسيين اللبنانيين بدعم النظام السوري أو الثورة والذي تصاعدت حدته مع اتهام السلطات السورية رئيس الوزراء السابق سعد الحريري والنائب اللبناني عقاب صقر بتسليح المعارضة السورية.
ويشهد لبنان انقسامًا على خلفية الأزمة السورية بين مؤيدين للنظام السوري ومعارضين له وسط التزام الحكومة اللبنانية باتباع سياسة النأي بالنفس حيال الأحداث الدائرة في سوريا.
ويرى عدد من المهتمين بالشأن اللبناني أن "النأي بالنفس" وهو الشعار السياسي الذي انتهجه الموقف الرسمي اللبناني في التعامل مع الأحداث الجارية في سوريا منذ اندلاعها والذي اتفق عليه أقطاب الحوار الوطني في لبنان من قادة أحزاب وتيارات سياسية مختلفة منذ "إعلان بعبدا " الصادر عن هيئة الحوار الوطني برئاسة الرئيس اللبناني ميشال سليمان في شهر جزيران الماضي، قد أصبح بعيداً عن الواقع حالياً في ظل تأكيد بتورط أطراف لبنانية في الداخل السوري والتي ظهرت بشكل واضح على العلن خلال الأيام القليلة الماضية.
وعلى الرغم من أن سياسة النأي بالنفس تقوم على تحييد لبنان عن الأحداث الجارية في سوريا من الناحيتين الأمنية والسياسية دون أن تطال هذه السياسة الرسمية الشأن الإنساني، إلا أن لبنان لم يستطع أن ينأى بنفسه عن الانخراط في ميدانيات الأزمة السورية، وهو ما أصبح مؤكداً من خلال ما أظهرته وسائل الإعلام والمصادر الأمنية في الداخل السوري.
ويبقى السؤال، هل سيتعامل الموقف الرسمي اللبناني خلال المرحلة القادمة بواقعية مع تأثير الأزمة السورية على لبنان من الناحية الأمنية إقراراً بحقيقة أن سياسة "النأي بالنفس" صعبة المنال؟ أم ستبقى الاتهامات المتبادلة بين الأطراف السياسية اللبنانية بين مؤيد ومعارض للنظام السوري من على المنابر وسط خروقات أمنية متكررة من الجانب السوري على القرى والبلدات الحدودية بين لبنان وسوريا؟.