إنتهى التنظير: الفتنة في لبنان تقترب يوماً بعد يوم. أعمى من لا يراها، ومتآمر من لا يريد أن يراها.
على مدى شهور، كان الخوف يأتي من طرابلس. وسيناريو الخوف هو: معارك عنيفة بين باب التبّانة وبعل محسن تستمرّ أيّاماً أو أسابيع. في خلالها تحاول "مجموعات طرابلس" اجتياح جبل محسن. ولأنّ لا قدرة للجيش النظامي السوري، في الظروف الحالية، على التدخّل ودعم حلفائه في الجبل، فإنّ هؤلاء يعوّلون على دعم "حزب الله". ولكن لا قدرة جغرافية أيضاً لـ"الحزب"على إمداد حلفائه في الجبل بالعديد والعتاد. وهو سيضطرّ إلى اجتياح عكّار من الهرمل لبلوغ جبل محسن. ولذلك، سيقوم "الحزب" في حال كهذه بمناورة عسكرية تقتضي إشعال جبهة في مكان آخر، لتخفيف الضغط عن الحلفاء ووقف الهجوم عليهم. وسبق أن تردّدت أخيراً تهديدات في طرابلس عن سيناريو اجتياح الجبل باعتباره "جزيرة علويّة" في "البحر السنّي"، لا يشفع بها تفوُّقها بالسلاح.
لكنّ الجيش تدخّل في شكل حاسم في الجولة الأخيرة منعاً للأسوأ. وبقيت "النار تحت الرماد".
ولأنّ عكّار والهرمل يتقاسمان سلسلة جبال واحدة، محاذية للحدود السورية ولمنطقة النفوذ الأساسية للرئيس بشّار الأسد، فُتِحت الخاصرة الرخوة على الحدود عند مثلّث عرسال – الهرمل – القُصَير. وبدا "حزب الله" بارعاً في اختيار المكان الأفضل لوجستيّاً: البقعة تتداخل فيها الديموغرافيا الشيعية بالجغرافيا اللبنانية – السورية الملتبسة. وبدا بارعاً أيضاً في اختيار المكان الأنسب للمناورة الاحتياطية، إذا ما طرأت تطوّرات دراماتيكية تهدّد جبل محسن.
– سوريّاً، يريد "الحزب" ربط بعلبك – الهرمل بمنطقة حمص وتالياً بمنطقة نفوذ النظام، وتأمين الإمدادات اللوجستية له إذا تعطّلت طرق الداخل، واستيعاب العتاد المرشّح للسقوط في أيدي "الجيش السوري الحر"، وتخفيف الضغط عن القوى النظامية المنشغلة بالدفاع عن المؤسّسات المركزية في العاصمة.
– لبنانيّاً، تبقى عرسال "جزيرة سنّية" في "بحر شيعي". إنّها معادلة جبل محسن، ولكن معكوسة. فهل تكون الثمن الذي سيلوِّح به "حزب الله" مقابل أيّ تهديد للجبل؟
والأسئلة المطروحة حول "مصادفة" وقوع الحادث في عرسال، ورميُه بكمّية من "الإلتباسات"، وتحذير البعض من "أنّنا لن نقبل بتكرار نهر البارد في عرسال"، لها دلالاتها هنا.
وفي الأيّام الأخيرة، بلغت اللعبة في بقعة عرسال ــ القُصَير حدوداً خطرة من خلال تبادل النار عبر الحدود وسقوط قتلى وجرحى لبنانيّين في الداخل السوري.
وفي الموازاة، مربّع عبرا ــ التعمير ــ عين الحلوة ــ حارة صيدا ــ صيدا يقارب الانفجار. ففي العاشوراء الأخيرة ــ الدمويةــ وارى الشيخ أحمد الأسير مناصرَيْه اللذين ذهبا ضحية حادث التعمير، في المستديرة العامة قبالة مسجد بهاء الدين الحريري في مدخل صيدا وبنى الشاهدين. ويعني ذلك أنّ القبرين لن يمسّ أحد بهما، وسيبقيان حيث هما ليمرّ بهما الصيداويّون ويتذكّروا…
ثمّ أعلن الأسير قيام تنظيم سنّي مسلّح، مع وقف التنفيذ. وفي الأيام الأخيرة، زار صيدا مؤسّس "التيار السلفي في لبنان" داعي الإسلام الشهّال، سعياً إلى خطة شاملة للردّ على تورّط "حزب الله" في معارك سوريا، كما قال هو نفسه. والظهور الأخير للأسير حاملاً "كلاشنيكوف" ومهدّداً بإخلاء "الشقق المشبوهة" من محيط مسجد بلال بن رباح، يبدو خطوة إضافية تقرّب الانتقال بالسلاح من التلويح به إلى استخدامه.
وهواجس البقعة الصيداوية تتركّز على احتكاك محتمل في محيط مسجد الأسير يشعل خط تماس في عين الحلوة – صيدا – إقليم الخروب، مقابل حي التعمير – حارة صيدا المفتوحة على الزهراني وسائر الجنوب. وهنا المعركة لا يمكن توقُّع مسارها ولا نهاياتها، لكنّها دموية جداً.
أيٌّ هي الأخطر؟
من تحت الرماد، هل تخرج الشرارة الطرابلسية فتكون السبّاقة وتشعل المواجهة المذهبية في لبنان، أم الشرارة الصيداوية التي تكاد تعلن عن نفسها في أيّ لحظة، أم في زاروب بيروتي محتقن، أم تبدأ المواجهة المذهبية بجرثومة الفتنة الآتية من سوريا مباشرة عبر الحدود الملتبسة في البقاع الشمالي؟
لولا الضغط الدولي في اتّجاه الاستقرار لاندلعت الفتنة بالتأكيد. لكنّ الفتنة "غبّ الطلب" إذا تراجع الضغط الدولي لسبب أو مصلحة. وقد تنفلت الفتنة من حيث لا يريد أحد. لقد كانت نائمة… ولعَنَ الله مَن أيقظها!