احتفلت جامعة الروح القدس – الكسليك باليوم العالمي للغة الأم الذي تدعمه الأونيسكو في مؤتمر نظمته كلية الآداب فيها تحت عنون "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحصين التنوع اللغوي".
افتتح المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني، ثم كانت كلمة تقديم للدكتورة ماريان نجيم التي رأت أن اليوم العالمي للغة الأم يستجيب لهدفين: الحفاظ على التراث اللغوي وتشجيع التعليم المتعدد اللغات والتنوع الثقافي. الموضوع المختار لهذا العام يسلط الضوء على الدور الأساسي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات كناقلة للهويات اللغوية المهددة وكمساحة مميزة لحوار اللغات والثقافات".
ثم تحدث عميد كلية الآداب الأب البروفسور كرم رزق الذي أكد أننا في بحث دائم عن الكمال، ويجب علينا مواجهة التحديات الكبيرة للوصول إليه. وأضاف: "بالنسبة لنا الكمال يعني إتقان تام للغات الثلاث: العربية، الإنجليزية والفرنسية. إذًا على الطالب أن يكون ثلاثي اللغات، وها هو التحدي الذي يجب عليه مواجهته وهو ليس صعب". وأشاد الأب رزق بالمسؤولية العالية والمؤهلات التي يتمتع بها طلاب الكلية والتي تخوّلهم مواجهة هذه التحديات، مشددًا على أهمية التدريب المهني إلى جانب التعلّم، ومؤكدًا أن الكلية لن تألو جهدًا في توفير هذا التدريب لهم. وقال :"أنتم تصنعون مستقبلكم، فنحن نوفّر لكم كل الموارد البشرية والوسائل التكنولوجية". كما توجّه بالشكر لمنظمي المؤتمر والأساتذة المشاركين فيه من مختلف الجامعات اللبنانية والفرنسية. وخلص إلى أن "أسمى وأجمل رسالة تكمن في توفير التواصل والتفاهم والحوار الثقافي بين الشعوب".
بدأت الجلسة الأولى بمداخلة للبروفسور طانيوس نجيم تحت عنوان "من اللغة الأم الإشكالية إلى اللغة العربية الأساسية"، تحدث خلالها عن مشكلة اللغة اللبنانية فرأى أن اللبنانيين لا يشتركون بلغة أم واحدة، وهي ما تسمى باللغة العامية اللبنانية، طارحًا الإشكاليات التالية "أهي لغة واحدة أم لغات متعددة؟ أهي اللغة العامية أم الفصحى؟ أهي عامل توحيد أم تفرقة؟". وعرض نجيم في مداخلته لمشروع حافل بالفوائد قد يؤدي إلى حل إشكالات عديدة ترتبط باللغة الأم واللغة العامية واللغة الفصحى ويسهم في تسهيل تعلّم اللغة العربية واكتساب القدرة على التواصل مع الآخرين من خلالها.
أما الدكتورة سلام دياب دورانتون، من جامعة باريس 8، فحاضرت تحت عنوان "الترجمة كعامل حماية وابتكار للغة العربية"، مشددة على ضرورة حفظ وحماية اللغة العربية ونشرها وتعزيزها داخل المجتمعات العربية والمجتمعات الناطقة باللغة العربية التي أنشئت في الخارج. وهذا لا يكون فقط من خلال العمل التربوي والتعليمي إنما من خلال هيكلية علمية موحدة في العالم العربي مهمتها التشجيع على خلق مصطلحات تستعمل كما هي في جميع لغات… كما تلعب هذه الهيكلية دور مهم في الدفاع عن الهوية العربية".
فيما تحدثت الدكتورة أندره عفيش في مداخلتها عن "المحتوى الرقمي العربي". وعرضت لمفهوم المحتوى الرقمي ولوقائع المحتوى الرقمي العربي واحتياجات العالم العربي في هذا المجال. وخلصت إلى أن الباحثين العرب يحتاجون إلى أرضية تسهّل نشر أعمالهم العلمية في اللغة العربية في عدّة أشكال وإلى محرك بحث عربي قوي يسمح بفهرسة هذه الأعمال".
وكانت مداخلة للدكتورة نادين الزاخم التي تناولت موضوع "اللغة الأم والترجمة الفورية". وتحدثت عن دور المترجم الفوري وأهمية اللغة الأم بالنسبة للغات العمل الأخرى، فاعتبرت أن تعزيز اللغة الأم يسهّل عمل المترجم الفوري ويجنّبه المصاعب وارتكاب الأخطاء اللغوية في اللغات الأخرى.
واختتمت الجلسة الأولى بمداخلة للدكتور جوزيف خليل عن التنوع اللغوي، وقد شدد فيها على أهمية هذا التنوع الذي يشكل الميزة الأولى للواقع الإنساني. واعتبر أن إرادة إلغاء التنوع اللغوي وتوحيد جميع اللغات في لغة واحدة يعني تشويه الواقع الإنساني ومعارضة ما هو عليه، مع فرض ما يجب أن يكون.
ثم افتتحت الجلسة الثانية بمداخلة للدكتور طلال وهبه الذي تحدث عن "المصطلح اللغوي. مريدون على مذهب أهل البحث". وشدد على أن الحفاظ على التنوع اللغوي وتدعيمه لا يمكن أن يتم بشكل جدي في أيامنا هذه خارج إطار بحثي علمي يستفيد من إتقان المعلوماتية وصياغة المصطلح باعتباره يختصر في تشكيله مسيرة البحث العلمي وهو ركن لا يمكن للباحث أن يتجاوزه.
ثم كانت مداخلة للدكتورة روزي غناجه تحت عنوان "التعلّم الاستقصائي التكاملي للغة العربية" تحدثت فيها عن الدور التكنولوجي في التعليم لمواكبة العصر الحالي والتعبير النوعي في التعليم التقليدي والاتجاه نحو التعلّم المدمج حيث يتكامل التعليم داخل الصف مع التعليم الإلكتروني للغات، واستعمال التعلّم المدمج في بناء شخصية الطالب.
أما الدكتور ربيعة أبي فاضل فحاضر تحت عنوان "إبراهيم اليازجي أبو اللغة الأم: جمالية الإتقان من خلال سفر ارميا". وقد شرح نظرية إبراهيم اليازجي الجمالية وكيفية تطبيقها على النص الكتابي مؤكدا أن ترجمة الكتاب المقدس ليست مجرّد ثقافة لغوية إنما هي إلهام. ورأى أبي فاضل أن التفنن في ترجمة النصوص المكتوبة هي من اختصاص اليازجي وهو ما ميزه عن غيره من المترجمين الذين كانوا يستعملون الترجمة الحرفية، والتفنن في ترجمة الكتاب المقدس هي قاعدة الإتقان الجمالي.
وكانت مداخلة للدكتور يوسف عيد تحت عنوان "اللغة الأم في الشعر الصوفي" استند فيها على نموذج "عطشان يحنو على الينبوع"، فخلص إلى أن "اللغة الأم هي مطلق لسان من ألسنة الأرض يتمكن به الإنسان من أن يعبّر عن وعيه بطريقة لا واعية، أي بطريقة إبلاغية، كلية، عفوية. هذه المزايا الثلاث هي التي تقوم عليها حقيقة اللغة الأم. لأنها تفجّر الكلمات مباشرة من القلب والعقل معا حالما يشعر الإنسان بضرورة التعبير عن فكرة عميقة وعواطف خاصة".
واختتم المؤتمر بمداخلة للدكتور جوزيف شريم الذي تحدث عن "دينامية اللهجة في اللغة الأم" مؤكدًا أن الفصحى هي إحدى اللغات القديمة النادرة التي بقيت على قيد الحياة، هادفًا إلى وضع حدّ للجدل القائم بين من يقول إنّ لغتنا الأم هي اللهجة العامية، ومن يقول إنها الفصحى. فخلص إلى "أنّ لغتنا الأم هي في الوقت عينه اللغة الفصحى واللهجة العامية، وهذا عنصر قوّة وإثراء للغة الضاد والناطقين بها، لا يمكن لأحد نكرانه".
