كل التوقعات تشير الى أن تحرك هيئة التنسيق النقابية مستمر بقوة لإحالة سلسلة الرتب والرواتب الى مجلس النواب، لكن هذا الأسبوع حاسم ومصيري لإضرابها المفتوح، أو ما يمكن وصفه "شبه عصيان مدني" للموظفين والمعلمين لتثبيت ما اعتبروه مكسباً وانجازاً أقرته الحكومة، ولا يمكنهم التراجع عنه أو التنازل عن أرقام جرى التوافق عليها بعد مفاوضات مع لجان وزارية عدة ومع رئيس الحكومة ووزيري المال والتربية.
في المقابل، لا تزال الحكومة تمتنع عن إحالة مشروع السلسلة الى مجلس النواب، ويبرر رئيسها نجيب ميقاتي الأمر بضرورة تأمين التمويل اللازم، الذي اكتمل كما يقول، انما يحتاج الى مزيد من الدرس. لكن القطبة المخفية لا تتعلق بمصادر التمويل فحسب، بل بالضغوط القائمة والمواقف الشرسة للهيئات الاقتصادية ولفاعليات أخرى رفضاً للسلسلة، فيما حاكم مصرف لبنان لا يحبذ إحالة السلسلة قبل الاطمئنان من تداعياتها الاقتصادية المحتملة، الى مواقف مؤسسات مالية دولية محذرة، وهو امر دفع بالرئيس ميقاتي الى الامتناع عن إحالة السلسلة واختيار المواجهة مع هيئة التنسيق النقابية التي بلورت موقعها النقابي بقوة من خارج تصنيفات الاتحاد العمالي العام.
هذا يعني ان الحكومة ليست في وارد احالة السلسلة قبل تأمين التمويل، وإذا توافر، هناك مخاوف من عدم احالتها في ضوء الاعتراضات الاقتصادية القائمة. لكن هل تتحمل الحكومة استمرار شل القطاع العام والمدارس الرسمية وأيضاً الخاصة؟ وهل تستطيع الاستمرار في إرسال إشارات متناقضة عن السلسلة التي اقرتها، وباتت مسؤولة قانوناً عن احالتها؟ ما يحصل يطرح علامات استفهام كبيرة عن ادارة القرار في الحكومة، إذ كان يمكن ابلاغ هيئة التنسيق النقابية قبل إقرار المشروع، أن الدولة لا تتحمل انفاقاً إضافياً على قطاعاتها العامة، وانه لا يمكن إقرار سلسلة رواتب بهذا الحجم من دون الشروع في عملية اصلاح شاملة ترافق السلسلة الجديدة، وكان يمكن إقرار مشاريع تساهم تدريجاً في الوصول الى السلسلة بلا تعقيدات.
أما وأن الحكومة، لا تريد إحالة السلسلة في وضعها الراهن، فعليها تحمل المسؤولية وإعلان موقفها بشفافية ووضوح، أو انها تريد اعادة مناقشة أرقامها أو هيكلتها مجدداً، ولا يمكنها السير الى ما لا نهاية في موقف مرتبك، مرة يدعو رئيسها الى جلسة لإقرار السلسلة ثم يعلن الغاءها بلا مقدمات، ومرة تحسم اللجنة الوزارية الأرقام ومصادر التمويل، ثم تذهب توصيتها أدراج الرياح.
الحكومة اما ان تكون مسؤولة فتتخذ قراراً أو تبقى في دائرة اللاقرار. هي أقرت سلسلة للقضاة وأخرى لأساتذة اللبنانية، وعليها ان تحدد موقفها اليوم بوضوح. ويبقى أخيراً سؤال يتعلق بالقوى المكونة للحكومة، كيف تبرر موقفها وهي ممثلة في هيئة التنسيق النقابية، وممثلة في الحكومة نفسها؟ لا جواب طالما تسير الأمور في البلد على هذا النحو!