ليس دقيقاً القول إن حزب الله يخوض معركة بشار الأسد ونظامه في دمشق، بل الأدق هو القول بأن إيران تخوض معركة مصير مشروعها للمنطقة برمتها، وبصرف النظر عن «التهديد» الذي تم تصديره للشعب العراقي عبر ما يسمّى «حزب الله العراقي»، وهو واحد من سلسلة تم إنشاؤها منذ الثمانينات تحت عنوان حزب الله الكويتي وحزب الله البحريني تماماً كما اللبناني وهو العمود الفقري لكل هذه الأحزاب أو «التجمعات الشيعية» التي تتمّ إدارتها مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، بل هي عملياً فروع الحرس الثوري الإيراني الذي تم توزيعه على كل الدول التي يشكل الشيعة جزءاً من نسيجها السكاني.
فقد تقاطعت مصادر عدّة حول تأكيد وجود جيش لميليشيا حزب الله في سوريا يُشارك في القتال ليس دفاعاً عن بشار الأسد ولكن في محاولة مستميتة للململة أشلاء المشروع الإيراني الذي بسقوطه تحت أرجل ثوار سوريا ستخرج إيران نهائياً من المنطقة، أما مشهد سقوطها المدوي فسيكون على الأرض اللبنانية، من حيث بدأت في تنفيذ مشروعها قبل ثلاثين عاماً!!
ثمّة خيوط إذا ما تمّ جمعها ستتشكل بين أيدينا ملامح بعض المواقف السياسية الداخلية وحجم التهوّر الذي بلغه حزب الله وحلفاؤه في لبنان، فالهجوم الهستيري الذي شنّه النائب ميشال عون على المملكة البحرينيّة سنجد صداه الحقيقي في صحيفة «كيهان» الإيرانية المحسوبة على مرشد الجمهورية علي الخامنئي، فليست صدفة أن يشنّ عون هجومه [من دون أدنى تبصّر ولا مفهوميّة فالرّجل لا يرى أبعد من أنف مصالحه المالية والسياسية]، فقد تصدر عنوان رئيسي صحيفة «كيهان» الإيرانية يطالب بضم البحرين إلى إيران، كما شنت الصحيفة هجوماً لاذعاً على المملكة العربية السعودية واتهمتها باحتلال البحرين تنفيذاً لسياسات غربية وصهيونية»، ولا نستطيع أن نقرأ هجوم ميشال عون إلا في ضوء دعوة «كيهان» الإيرانية والتي سبقها بأيام قليلة كلام مهدي طائب «الوقح» والذي اعتبر فيه سوريا المحافظة الإيرانيّة الخامسة والثلاثين.
أما كلام عون عن مملكة البحرين فلا يقرأ إلا في ضوء ما تسرّب من معلومات عن أنّ طهران قررت منح دعم مالي لتمويل جماعة 8 آذار في الانتخابات النيابية المقبلة، وتقدّر هذه المساعدة بملياري دولار أميركي وكذلك تقديم كل ما يلزم لكسر شوكة قوى 14 آذار!!
أما المعركة التي يخوضها حزب الله ضد الشعب السوري فليس لها إلا وجه واحد هو الوجه الإيراني الذي يدفع بكل قوته في سبيل مدّ وتمدّد شيعي حتى اللحظة لم يحصد إلا الفشل والخيبة ولا نحتاج إلى كبير دليل أكثر من القرار 1701 الذي ترجّاه حزب الله لتتوقف ماكينة الحرب الإسرائيلية عليه، وما لم تنجح إسرائيل في فعله ها هو ينفذّه بيده فينحر نفسه بنفسه على أعتاب الشام التي لم تكن يوماً إلا حرباً على الكوفة مهما حاول نظام بشار الأسد العبث بتاريخها وجغرافيتها، ويُقال أن نصرالله يعقد لقاءات متتالية لم تنته حتى اليوم تجمعه مع قياديين وكوادر من «حزب الله» وبعض من حلفاء يمكن الاتكال عليهم فيما لو تطلّبت الأمور تدخلا عسكريا مباشرا لدعم نظام الأسد سواء في الداخل السوري أم اللبناني، وأنه «خاطب المجتمعين بأن الحزب يخوض في العلن معركة مفصلية دفاعاً عن الوجود الشيعي في المنطقة التي سوف يتحدّد مصيرها على أيدينا منذ اللحظة»!!
الوجود الشيعي في المنطقة تحوّل إلى رهينة إيرانية منذ اغتالت اليد الإيرانية رموز المفكرين الشيعة منذ الدكتور حسين مروة وطاردت تلامذته، وقتلت مهدي عامل، ولاذ أهل الاعتدال من الشيعة بالصمت إلى أن استيقظوا فوجدوا أن ابنهم قضى مع حزب الله في مواجهة ما، فثاروا وغضبوا ثم خافوا ثمّ قبضوا، وما تبقّى من الوجود الشيعي الحر في لبنان يواجه تضييقاً كبيراً على حضوره، أما في المنطقة العربية فقد ثارت ثائرة كثيرين وأولهم الرئيس نبيه بري عندما صرّح الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك بأن ولاء الشيعة ليس لأوطانهم بل لإيران!!
لم يخطئ مبارك، فعبر تاريخهم لطالما كان الوجود الشيعي خارجاً على الخلافة ومتآمراً عليها وقاتلاً لها أحياناً، وعبر التاريخ انتهت كل ثورات الشيعة بنكبات كبرى نزلت بهم أخمدت حركاتهم لمئة عام وأكثر، حتى يبتليهم الله بطالب سلطة جديد يجرجرهم وراء مشاريعه المجنونة، ولطالما كانت إيران أرض المؤامرات على العالم العربي والإسلامي، منذ التتار المغول والخلافة العباسية وصولاً إلى الدولة الصفوية والخلافة العثمانية والتاريخ يعيد نفسه اليوم بصورة حزب الله والثورة الإيرانية!!