#adsense

صادر لـ”الجمهورية”: هذا رأيي في القضاء و”الداتا” والمحكمة

حجم الخط


كتب سعاد مارون في صحيفة "الجمهورية":

تُخفي الملامح الهادئة لرجلٍ مخضرم، ثورة قلّما تمسّك بها أبناء جيله، الذين شهدوا على فوز منطق التجاذبات السياسية داخل القضاء في الأعوام الثلاثين الماضية، لتَجد نفسك أمام من لا يزال قادراً على تصويب الخطأ، والمضي في رؤية مؤسساتية لا ترحم الفاسد ولا تقيم اعتباراً للنفوذ خارج سلطة القانون ومفهوم العدالة.

"القضاء في لبنان لا يتمتع بصحة جيدة"… عبارة يستهلّ بها رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر لقاءه مع "الجمهورية"، لكن سرعان ما تتبدد الدهشة لديك ما أن تتذكّر أن هذه "الثورة" التي في داخله، قد صًقلت بالعلم الغارف من القوانين الفرنسية، فضلاً عن معايشة أزمات الوطن ومشكلات القضاء. ويضع صادر الإصبع على الجرح ليقول: "إنّ القضاة اللبنانيين يندرجون في ثلاثة أنواع: فمن بينهم من هو كالتفاحة المهترئة، وهذا لا بد من طرده، ومن بينهم مَن تراخى لأنه لم يرَ أن النوع الأول قد أصبح في منزله، وهؤلاء لا بد من أن يفهموا أن منصب القاضي لا يحصّنهم من العقاب، فيكون الحلّ بهزّ العصا لهم عبر تنبيههم أو حسم رواتبهم أو خفض درجتهم، وصولاً الى طردهم إن لم يصطلحوا". وهنا يصمت برهة، ثم يتابع بانفعال واضح: "القاضي يقبض راتبه لكي لا يُسمح للوزير أو الحكومة أو الإدارات العامة، بالتطاول على القانون، وعلى كلّ منا أن يعمل على أساس أننا نريد أن يعيش أولادنا في هذا الوطن، أمّا من ليس لديه التواضع وحس الخدمة فليبحث عن وظيفة أُخرى".

وهنا يصل الى الفئة الثالثة "التي تضم قضاة كفوئين مستعدين للمواجهة، لكن للأسف ليس لمعظمهم سند أو دعم، في وقت يجب أن يعيَّنوا في المراكز المهمة والحساسة".

«تنظيف العدلية»

ويجزم صادر بأن "تنظيف "العدلية" يحتاج الى من يتمتع بالجرأة، ليطرَد القضاة غير الكفوئين (وعددهم قليل)، لأن إستقلالية القاضي ليست في النص، فالنصوص هي ذاتها منذ عهد قضاة من طينة يوسف السودا ويوسف شربل وكميل جعجع، الذين استهابهم الناس لجرأتهم و"نظافة كفّهم" ومستوى علمهم".

وإذ يشير الى أن "الحرب اللبنانية دمّرت القضاء حجراً وبشراً"، يرى أن "انخفاض مستوى العلم وهجر "النخبة" للوظيفة العامة والوطن، انسحب على المستوى العلمي للقضاة، وباتت دائرة اختيارنا للمرشحين على مدى 12 عاماً ضيّقة، فيما تلاشى مفهوم الخدمة العامة لدى بعض القضاة بسبب "التشنجات" و"الدويلات" التي غيّبت قاعدة الثواب والعقاب، وبتنا نرى القاضي الذي لم يكن لديه المناعة الكافية، يستجلب منفعته الشخصية عبر إرضاء "الزعامات"".

وبهدوئه المعهود، يجد صادر أن "الحلّ للَجم تدخلات السياسيين"، هو في مجرّد أن نقول للسياسي الذي يراجعنا في شأن قاض: "إعتَبِر أن مرشحك صُرف من القضاء"، وعلينا تنفيذ هذا الأمر، لأنه لو لم يذهب هذا المرشّح الى المرجع السياسي لما كان المرجع تدخّل.

فحوص نفسية للقضاة

ولا يرغب صادر في التدخّل بمهمات غيره، لكن ما يدفعه الى طرح رؤيته هي ثقته بأنّ توجّه مجلس القضاء الأعلى ومعهد الدروس القضائية تتوافق مع رؤيته التي يطلقها من منطلق المحبة والحرص على القضاء. وفي هذا السياق، يرى أن "رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، قد يكون "خشبة خلاص" للقضاء العدلي، خصوصاً أن ولايته ستمتد 10 سنوات وهو يتمتع بالشجاعة والإبداع، وموقعه يمكنه مع العضوين الدائمين في المجلس، المدعي العام التمييزي ورئيس التفتيش، من الإمساك بالمحاكم الجزائية والمدنية وسلطة الرقابة". وإذ يشدد على "وجوب أن يمرّ سائر القضاة في معهد الدروس القضائية"، يلفت إلى وجوب أن "يخضعوا لفحوص نفسية تُبيّن أهليتهم للعمل الجماعي وتَحمّل الضغوط الخارجية، ومدى تمتعهم بالمسؤولية وأن يُعاد النظر بكفاءتهم دورياً"، لافتاً الى أن "مجلس الشورى كان أول من طبّق هذه الفحوص في القضاء".

القضاء الإداري يقضي على الفساد

"كإبن للقضاء العدلي"، قبل تولّيه المسؤولية في "القضاء الإداري"، يجزم صادر بأن الأخير "بقيَ في حمى من تأثيرات الحرب، أولاً لأن عدد قضاته قليل نسبياً (50 قاضياً) ما يسهّل إرسالهم الى دورات تدريبية في الخارج، بمعدّل قاضيين الى ثلاثة في السنة، ليخلق لديهم الإنفتاح الذي لا نجده في القضاء العدلي، ويجبرهم على تطوير معلوماتهم".

ويرى أن "تمركز القضاء الإداري في بيروت، قد غيّب مبدأ التشكيلات، وسمح للقضاة بالتمتع باستقرار نفسي، كما سهّل مراقبتهم" ويقول: "إذ يكفي أن أمُرّ في الطبقة الخامسة من قصر عدل بيروت لأراهم جميعا". ويبدي صادر إرتياحه الى أن "معايير القضاء بقيت هي نفسها لدى القضاء الإداري لأنه مأخوذ عن القضاء الفرنسي، وعلى علاقة وثيقة بهذا القضاء، لدرجة أننا لا نقبل من لا يجيد الفرنسية بطلاقة لأن كل مراجع القانون الإداري فرنسية".

وبتواضع يضيف: "ليس الفضل لي في أن القضاة الإداريين يتمتّعون بمناعة ضد السياسة والرشوة و"الجهل"، بل يعود ذلك الى جميع رؤساء مجلس الشورى المتعاقبين".

ومن دون أن تُخفى على محدّثه ملامح المعلّم، التي كان لخبرته الطويلة في التعليم الجامعي وتبوؤ مراكز رئيسة في القضاء الدور في صقلها، يشرح صادر علاقته "الندّية" بالسلطة التنفيذية، هذا "الزبون الأكبر" لمجلس الشورى، الذي لا يكون "دائماً على حق". فيقول: "عندما أرسل بناء لطلب الوزراء قضاة مستشارين يعاونونهم كي لا تتعرّض قراراتهم للإبطال، أوصيهم بأنهم مستشارو الـ "لا" وليس "النعم". أما القاضي الذي يقول للوزير لا عليك "سأركّب" لك مخرجاً قانونياً، فهذا يعلم أن لا مكان له بيننا".

وهنا يستعيد صادر مسألة تخطّي المجلس هاجس الخوف من حصول "ثورة" في البلاد على خلفية قضية زيادة الأجور الأخيرة، "فقلنا إن زيادة الأجور كما تريدون غير قانونية، وكانت النتيجة أن المسؤولين تجاوبوا، فثبت أن القضاء لا يحتاج الى أكثر من موقف صحيح وجريء".

قضاة في ظروف غير مقبولة

يتطلّع صادر الى مواكبة تطور القضاء الإداري في العالم، وتأمين الاستقلالية للقاضي الإداري بدءاً من توفير المكان اللائق لعمله، لافتاً الى أن "وضع مكاتب القضاة حالياً غير مقبول، بحيث يعمل 50 قاضياً و30 موظّفاً في طبقة واحدة ضمن مترين مربعين لكل منهم"، لكن خبرته الطويلة تجعله يشعر أنه "كلما اقتربنا من القضاء تجفّ الاموال في الدولة ويُنادى بالتقشّف على رغم أنهم يعطون المليارات للأجهزة الأمنية وقد بات لبعض الوزارات فروع أنيقة في كل المناطق".

لكن طموح صادر لم يسمح له بالتوقف أمام هذه العقبة، فأعاد تفعيل المشروع الذي كان وُضع في عهد الرئيس رفيق الحريري لتوسيع قصر العدل وأُنجز مع المهندسين المعنيين، تصميماً صالحاً حتى عام 2050، يضم مكتبة متطوّرة وقاعة محاضرات بكلفة 9 ملايين دولار، على أن يستغرق العمل به 3 سنوات، مؤمناً بأن "السلطة السياسية يجب أن تعلم أنه لنبني دولة قانون يجب تعزيز العدلية بالبشر والحجر".

من جهة أُخرى يسعى صادر الى مزيد من الإنفتاح على مجالس شورى الدولة في العالم، "لنواكب التطور ونستعيد دورنا كمنارة لقضاة المنطقة، وقد كنا عضواً مؤسساً في جمعية المحاكم الإدارية العليا في العالم، ونحرص على أن يكون لنا دور فاعل فيها لانها سفارة إضافية للبنان".

الحرية و«الداتا»

من القضاء الإداري الى الجدل الذي أطلقه وزير العدل شكيب قرطباوي أخيراً حول صلاحيات المحكمة العسكرية. وهنا، يرى صادر أن "المحكمة العسكرية استثنائية، لكن لبنان يعاني من إضطرابات أمنية كبرى ما يعني وجود حاجة لإبقاء صلاحياتها الحالية". ويستعيد في هذا الإطار تجربة لجنة الرقابة على قانونية إعتراض الإتصالات التي يرأسها، وقد جزمت في رأيها الإستشاري الأخير بأنه "كلما توسَّعت دائرة الإضطرابات، يُسمح بالمسّ بالحرية لتوفير الأمن، لكن مع الحفاظ دائماً على التوازن بين الحرية والأمن".

ويوضح أنّ "موافقة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على تسليم "الداتا" من دون مضمون، أصبحت نافذة لكن يبقى للهيئة الحق في إبداء رأيها في قانونية هذا القرار خلال 7 أيام، فإذا وجدته غير قانوني يكون لرئيس الحكومة إما المضي به أو التراجع عنه".

المحكمة الدولية

وكأحد القضاة الذين شاركوا في المفاوضات لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يعتبر صادر أن الحملة التي أُطلقت لاحقاً ضدّ المحكمة لا علاقة لها بالقانون والعلم، خصوصاً وأن قرار إنشائها اتخذه الأفرقاء كافة في جلسات الحوار بعد التيقّن من أن لبنان لا يستطيع أن يجري تحقيقاً ولا أن يحاكم مرتكبي الجرائم. ويشير "تم اختياري مع القاضي رالف رياشي من بين القضاة الذين يجيدون اللغتين الفرنسية والإنكليزية ولديهم انفتاح على القوانين الدولية، للتفاوض مع الامم المتحدة لإنشاء المحكمة ثم مناقشة نظامها"، ويقول: "قد نجحنا علمياً في تفعيل المحكمة أكثر من سابقاتها، بعدما زاوجنا القانون الأنكلوساكسوني الى الفرنسي. ولم يعد لي بعد ذلك أي دور فيها لكن يبدو أن البعض نسيَ أنه هو من أرسلنا في هذه المهمة، وأننا عسكر نعمل لمصلحة الدولة ومهمتنا في الأساس هي محاكمة مرتكبي الجرائم. وكمراقب قانوني أجد أن المحكمة الخاصة بلبنان أكثر سرعة من بقية المحاكم الدولية الخاصة".

الزواج المدني

وكمشارك في الهيئة العليا للإستشارات التي رأت في قرار حديث، أنه يمكن للمتزوجين وفق القرار 60 ل.ر اختيار القانون الذي يريدون لرعاية مفاعيل زواجهم، يشدد صادر على أنّ "رأي الهيئة العليا كان جريئاً وأن رأي هيئة التشريع سليم أيضاً وهذه خطوة تسمح للبنانيين أن يلتقوا خارج الإطار الطائفي الضيّق".

وعلى أمل أن تشهد "العدلية" ورشة إصلاح حقيقية تواكب ما يجري اليوم في قصر عدل بيروت من ترميم للحجر، يبقى الإيمان بأن صحة العدلية هي من صحة المؤسسات العامة، وأن يوم يوضع القضاء على السكة الصحيحة سيكون ذلك مؤشراً على استعادة لبنان عافيته ودوره الريادي.
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل