#adsense

“حزب الله” و”الجيش الحر”

حجم الخط

تحوّلت الاشتباكات بين “حزب الله” و”الجيش السوري الحر” إلى شبه يومية، إن على الحدود أو في العمق السوري، ما يؤكد تورّط الحزب حتى العظم في هذه الأزمة، والكلام عن قرى شيعية وأمن ذاتي ودفاع عن النفس ما هو سوى حجج واهية للتغطية على التكليف الإيراني بالدفاع عن النظام السوري حتى الرمق الأخير.

فالجديد في هذه المسألة هو تطوّر المواجهات التي خرجت عن كونها مساهمة ثانوية يتولّاها الحزب إلى مشاركته الفعلية في الحرب الدائرة، والسبب بطبيعة الحال تراجع قدرات النظام السوري وحاجته الماسة لمجموعات قتالية إلى جانبه. ولكن خطورة هذه المواجهات تكمن في التعبئة التي تولّدها داخل البيئتين السنية والشيعية، فضلاً عن خلق مناخات من الحقد والعداوة بين الشعب السوري و”حزب الله” وبيئته، الأمر الذي ينعكس على الوضع اللبناني برمّته سياسياً وأمنياً وعسكرياً.

فأن تقوم إيران بإرسال مجموعات من “الباسيج” و”البازدران” للقتال ضد الشعب السوري أمر مُدان ومستنكر ويجب أن يدفع من جهة المجتمع الدولي إلى توجيه تحذير شديد اللهجة لطهران والانتقال من الدعم اللفظي للمعارضة السورية إلى الدعم العملي، وأن يدفع من جهة أخرى الدول العربية، والخليجية تحديداً، إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع الدولة الفارسية، ولكن شتّان ما بين الانخراط العسكري الإيراني في الأزمة السورية وبين انخراط “حزب الله”.

فإيران دولة إقليمية كبرى تعتبر أنّ مِن أولى مهماتها الدفاع عن النظام دفاعاً عن دورها الإقليمي، لأنّ كسر الحلقة السورية يضعف تأثيرها ويقلّص امتدادها ويحجّم نفوذها، وهي لا تخشى تداعيات انخراطها المكشوف في هذا الصراع على أمنها وسيادتها واستقرارها، فيما الوضع مختلف تماماً مع “حزب الله”، الذي أظهر تورّطه في الوحول السورية أنه غير معنيّ باستقرار لبنان، ولا بمستقبل العلاقات اللبنانية-السورية، ولا بإذكائه نار الفتنة السنية-الشيعية.

وأيّ متابعة لمواقف “الجيش الحر” التي ذهبت إلى حدّ تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ما يترتب على أعمال الحزب، كما تهديدها السيّد حسن نصرالله بالاسم ووعيدها بالوَيل والثبور، تُظهر أن الأمور تتجه نحو مزيد من التصعيد لا الانحسار في ظلّ إصرار الحزب على المضيّ قدماً في تنفيذ الأجندة الإيرانية من دون مناقشة قادة هذه الدولة بأن الخصوصية اللبنانية تحول دون إمكانية مواصلة هذه السياسة التدميرية للبنان.

ولكن أمام تبعية الحزب العمياء لإيران، وتجاهُل طبيعة التركيبة اللبنانية وتوازناتها الدقيقة، يجب على رئيس الجمهورية ميشال سليمان أن يرفع الصوت عالياً وينقل هذه القضية من إطار الصراع المفتوح بين 8 و14 آذار إلى كونها تهدّد سلامة لبنان وأمن اللبنانيين، لأنّ الندم لن ينفع بعد فوات الأوان وعودة السيارات المفخخة في الأحياء السكنية المكتظة.

فإذا كان الكلام عن جبهة النصرة وأخواتها حقيقة لجهة حجمها ونفوذها وتمددها على الأرض واستخدامها الأساليب الإرهابية، فهذا الأمر يجب أن يشكل رادعاً للحزب عن مواصلة أعماله العسكرية والبحث مع سائر اللبنانيين عن السبل الكفيلة بمنع نقل الأزمة السورية إلى لبنان، وأمّا خلاف ذلك فيعني أنّ كلّ ما يتصِل بالنصرة لا يتجاوز التضخيم الإعلامي للأهداف المعلومة نفسها التي تبدأ بتبرير أعمال النظام ولا تنتهي بإظهار “حسنات” سلاح “حزب الله”.

وبما أن كل المؤشرات تؤكد أن الحزب ليس في وارد مراجعة سياساته التوريطية للبنان، فإنّ توقّع الأسوأ يصبح مسألة بديهية، وهذا الأسوأ يشمل استجلاب حرب مع إسرائيل، وقطعاً لعلاقات لبنان مع الخارج العربي والغربي، والأخطر هو الحرب مع الشعب السوري، من دون إغفال وجود أكثر من 300 ألف لاجئ سوري في لبنان.

وفي هذا السياق كان لافتاً إدانة “المستقبل” لخرق الثورة السورية للسيادة اللبنانية، حيث جاء ما حرفيته أنّ “لائحة الأخطاء المسجّلة في خانة “حزب الله” طويلة، وآخرها ذلك المتعلّق بتدخّله في سوريا دعماً لنظام الطاغية وقتالاً لأهلها وثورتها. لكن ذلك لا يعني، ويجب ألّا يعني القبول بأخذ ذلك الخطأ ذريعة للاعتداء على السيادة اللبنانية. الأمر ليس مقبولاً من قِبَل الطاغية كما أنّه ليس مقبولاً من “الجيش السوري الحرّ” وغيره”.

وقد سجّل “المستقبل”، عبر هذا الموقف، تطابقاً كاملاً بين ما يرفعه من شعارات سيادية وبين ترجمتها على أرض الواقع، والأهم أنه أعطى إشارات تطمينية، ولو كانت معروفة، بأنه ضد استخدام منطق الاستقواء نفسه الذي استخدمه “حزب الله” وحلفاء النظام السوري، وأنه ضد أي اعتداء على السيادة الوطنية من أي جهة أتى، أكان عدواً أو شقيقاً، على رغم أن الحزب يتحمّل مسؤولية ما يحصل على الحدود. فالسيادة لا تجزّأ، والمعتدي واحد في كل زمان ومكان.

ومن هنا، فإنّ مسؤولية “الجيش الحر” كبيرة لجهة عدم تكرار أخطاء النظام والتعامل مع لبنان بالشكل الذي يطمئن اللبنانيين، بمعنى رفع شكوى إلى الدولة اللبنانية والجامعة العربية ومجلس الأمن عند أي اعتداء يستهدف الأراضي السورية من الأراضي اللبنانية. وأمّا في ما يتعلق بنشاط الحزب داخل الجغرافيا السورية، فمِن حقه التعامل معه بالمِثل.

هناك رهان واسع على بناء علاقات سويّة وطبيعية بين لبنان وسوريا تمحو آثار العلاقة التاريخية الملتبسة والمأزومة بين البلدين، وحال الفوضى في سوريا لا تبرّر عدم التعامل مع لبنان كدولة، وخلاف ذلك يعني وضع الثورة و”حزب الله” في خانة واحدة على رغم تعارضهما…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل