كان يوم أحد. غيوم ولا مطر، كان ثمة هدوء رهيب ينذر بشيء ما سيحدث. بعض اشارات الايام التي سبقت، كانت توحي بالتحضير لشيء كبير سيزلزل الارض والناس. لم يتوقع خيال أيّ منا انذاك، ان لا حدود يلامسها خيال مجرم، كل الاحتمالات الدموية كانت مفتوحة أمامه. كان نضوجنا السياسي ما زال بريئا، المثاليات تنهش الافكار الشريرة التي ممكن أن تراودنا، كنا ما زلنا نحلم بلبنان نظيف… ودوى الانفجار، انفجار كنيسة سيدة النجاة في الزوق.
27 شباط 1994. سقط الشهداء على مذبح الاله. اطفال ورجال ونساء. 11 شهيدا ارتفعوا مع يسوع الى قيامة لا تليق الا بهم وبأمثالهم. سقطنا كلنا مضرّجين فوق أدراج ذاك المذبح. التهبت الشوارع بالدموع، سكن الخوف عيون الناس. انتشرت منظومة الرعب. نجحوا، نجحوا في زرع الشك والفتنة والذعر والقطيعة بين البيت الواحد. لم نستوعب في الوهلة الاولى ماذا يجري، تقوقعنا داخل القلوب والبيوت، اختبأنا في عيوننا، خبّأنا النظرات من ظلال الشك التي بدأت تلوح في عيون الاخرين. صار الجميع حتى أهل البيت، حتى اللاوعي الراقد فينا، هم الاخر المتربّص. تقوقعنا داخل جدران الصمت ننتظر اشارة ما لنعرف من الجاني، كيف وصل الى بيت الرب.
أذكر تماما حين أعلنت المذيعة يولا سليمان الخبر وقطعت الـ “LBC” برامج الاحد المعتادة، وبثّت فيلم The mission لروبرت دونيرو وجيريمي ايرونز، عن مهمة راهب في أدغال افريقيا وصراع الايمان لايصال رسالة يسوع المسيح بين قبائل لا تعرف ما معنى كلمة الله، فيلم رائع. وساد الصمت المريب البلاد. بيروت غرقت في السكون. فرغت الشوارع، توقف الزمن عند خط السؤال الكبير، من الفاعل؟ لماذا؟ من قتل المسيحيين في بيتهم؟ من تجرّأ على اقتحام بيت الرب؟ من له قلب حجر ليتحمّل رؤية الدماء فوق عيون يسوع، تحت نظرات العذراء مريم؟
تُهنا في الاسئلة. شرّدنا الخوف من عيون الناس قبل مداهمات المخابرات لمئات الشباب من “القوات اللبنانية”. وفهمنا، فهمنا الحكاية، أعلنت المخابرات انه سمير جعجع المرتكب فهو “الآمر الناهي”، “القوات اللبنانية” هي المجرم… فهمنا الحبكة. عيون جميل السيد التي لمعت بالانتصار، أسعد حردان، ميشال سماحة، عدنان عضّوم، السوريون، جهاز المخابرات الذي كان بأمرة الاحتلال السوري… وجوه ووجوه سود لا تشبه الا حالها وتلك الايام. دوى الاتهام في أرجاء الابرياء والحاقدين والشامتين.
سمير جعجع المجرم. غضب البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، أرسلوا له من يخبره على عجل أن التهمة مفبركة. جُنّ الناس، أيعقل أن يفجّر كنيسة من حملوا صليب الوطن على أرواحهم كل تلك الاعوام؟!… وبعد أيام قليلة بانت الحقيقة التي حضّروا لها، اُعتقل جعجع وعشرات الرفاق معه، صراخ تعذيبهم ضجّ في كل مكان، حُلّ حزب “القوات اللبنانية”… وبدأت غير حكاية…هذه حكايتنا، جزء منها. هذه حكاية المسيحيين في لبنان، جزء منها.
11 شهيدا على مذبح يسوع، يا لعظمة الانسان فينا حين يستشهد تحت أقدام الرب. هو من اختارهم ليكونوا جسده في يوم الرب، لتكون دماءهم خمرة الشهادة خمرة الايام وخميرة الايمان. 11 شهيدا سقطوا هنا ليرتفعوا في أحضان مريم، سيدة السماء والارض ولبنان. لو تعرفون كم هو مستحيل النسيان، من قال أساسا اننا نريد أن ننسى. لا نريد، هذه شهادة نأخذها الى القبر، الى التاريخ المنحوت بكرامتنا وشهادتنا ونضالنا وقهرنا ونشوتنا بالايمان بيسوع. لا نريد أن ننسى، قبّة سيدة النجاة المرتفعة في السماء لن تجعلنا يوما ننسى اننا ذات شباط، ذات عمر احتلال، ذات نضال موجع مرير، تعمّدنا بالدم الحمراء القانية في أقدس الاماكن وأشرفها وعلى مذبحين، مذبح الاله ومذبح لبنان…
نحن صنعنا الشهادة نحن المقاومين، الشهداء الـ 11 مقاومو الانسان في لبنان، شهداء عن كل لبنان، أشرف الشهداء، حسبهم انهم بالمسيح ارتفعوا، وحسبنا اننا سنذكر وحتى يوم القيامة هؤلاء وأكثر بعد، سنذكر لمن يتناسى اننا نسّاك هذه الارض، وشهداؤها، واحرارها، وحرّاسها الى ابد الامين وحتى آخر نقطة دماء، لا تشبه الا من سقطوا على مذبح سيدة النجاة.
